توظيف النووي الإيراني في الشرق الأوسط

 

 

محمود الزيبق

 

ملفت للنظر مسلسل الأخذ والرد والتفاوض في الملف النووي الإيراني بما يشغل وسائل الإعلام ليس في الشرق الأوسط فحسب بل في العالم أجمع فمنذ عامين وحتى الآن وباستقراء متابع للملف النووي الإيراني لا يكاد يخلو أسبوع من خبر أو أكثر حول هذا الملف الشائك أو الذي أريد له أن يكون شائكا ومتكررا في الإعلام حتى أفردت له معظم المؤسسات الإعلامية ملفات خاصة ترجع إليها كلما جد به جديد إن كان ثمة جديد به أصلا. السؤال المطروح من المستفيد من لعبة شد الحبل هذه بين واشنطن وطهران؟ وما خلفياتها وتبعاتها في المنطقة؟. في قراءة سريعة للأسبوع الأخير حول هذا الملف لدينا التصريحات التالية: - العقوبات الأوروبية الجديدة بما يزيد ببعض اللمسات عن قرار مجلس الأمن رغم التصريح الروسي بأن أعضاء مجلس الأمن لم يتفقوا على عقاب طهران. - ولدينا تهديدات الآنسة كوندوليزا رايس بعصا العقوبات مع تلويحها بالجزرة في اليد الأخرى حين تركت الباب مفتوحا للإيرانيين ليلجوا منه إلى حضن المفاوضات معها بقولها (إن إيران ليست عدوا دائما ولديها باب دائم للخروج إن أرادت).

- أما طهران فكانت تعزف على وتر آخر حين تحدثت عن إيجابية المباحثات مع المسؤول الثاني في وكالة الطاقة الذرية والذي زارها مؤخرا إضافة إلى تجربة الطوربيد البحري الجديد الذي وجهت به رسائل لخليج النفط العربي. وحقيقة الأمر أن هذه القراءة لا تخص هذا الأسبوع فحسب بل هي القراءة المتكررة منذ أن جعل الملف النووي الإيراني محور أزمة كبرى في المنطقة والمواضيع المطروحة هي نفسها مع بعض اللمسات التي توحي بتجديد التوتر. التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية استعراض القوة والتلويح بالحرب العروض والحوافز والعقوبات الاقتصادية.....هذه هي محاور الملف النووي الإيراني والتي تدور وسائل الإعلام في فلكها منذ حين بينما يبقى السؤال المتكرر مطروحا هل ستشن أمريكا أو إسرائيل أو كلتاهما حربا على طهران أم لا؟ المفترض أن جواب هذا السؤال أحد أمرين النفي أو الإيجاب لكن المتأمل للسياسة الأمريكية يرى الجوابين معا في تصريحاتها وتحركاتها... فالذين يجيبون بالنفي يستندون إلى أمور عدة منها: - الصعوبات التي تواجهها الولايات المتحدة داخليا أمام شعبها وعالميا أمام المجتمع الدولي من آثار حربها على العراق وعدم قدرتها على فتح جبهات جديدة خاصة مع إيران القوية نسبيا.

- تقرير الاستخبارات الأمريكية الذي أظهر أن طهران أوقفت برنامج التسليح النووي منذ 2003 والذي لم تخرجه الولايات المتحدة للإعلام عبثا بلا شك.

- الخشية الأمريكية من تبعات الحرب على طهران وما قد تحدثه من أزمة اقتصادية في الخليج الذي ينقل خمس النفط إلى العالم والذي هددت طهران علانية بإغلاقه. - تأكيد الأطراف الأخرى لا سيما أوروبا وروسيا والصين على ضرورة حل النزاع سلميا وكذلك التصريحات الأمريكية التي تشير إلى أن التفاوض السلمي هو المقدم عندها.

- حاجة كل من الولايات المتحدة وطهران لبعضهما في العديد من الملفات العالقة في الشرق الأوسط وقد بدا ذلك جليا بزيارة المالكي إلى طهران بعد طرح فكرة الاتفاقية الأمنية مع العراق لمشاورتها وطمأنتها (ربما قبل أن يشاور الشعب العراقي في الملف نفسه).

أما الذين يرجحون كفة الحرب والمواجهة فيستندون إلى وقائع في السياسة الأمريكية منها: - العقوبات المتكررة التي تفرضها واشنطن على طهران وتسعى لتدويلها فيما يشبه تلك التي فرضت على العراق لإضعافه قبل شن الحرب عليه.

- تعيين الجنرال ديفيد بترايوس قائدا للقوات الأمريكية في العراق ثم ترقيته في أقل من عام ونصف العام ليصبح قائدا عاما للقيادة الوسطى (بحيث تدخل إيران وأفغانستان ضمن صلاحياته) وهو الذي لا يخفي تهديداته النارية لطهران وتأييده للحرب عليها في مقابل رفض رئيسه وسلفه السابق الأدميرال وليام فالون لسياسة المواجهة مع إيران والذي استقال (أو أقيل) في 2007. - شراء الولايات المتحدة لكميات كبيرة من النفط رغم ارتفاع سعره والدعوات المتكررة إلى البحث عن مكامنه في بلادها. - خطة (كش ملك) هذا الاسم المأخوذ من لعبة الشطرنج الفارسية الأصل وقد كشفت تقارير صحافية أن البنتاغون أعد هذه الخطة لتوجيه ضربات جوية إلى منشآت إيران النووية. - الرفض الإسرائيلي المطلق لاحتمال وصول السلاح النووي لطهران يضاف إليه التنسيق الاستراتيجي من قياديين في إسرائيل والولايات المتحدة بما يوحي بتبييت أمر حربي معين. - أما عسكريا وهو الأهم فلا يخفى وصول حاملة الطائرات لينكولن إلى الخليج وتحركات المدمرة كول في المنطقة إضافة إلى المناورات العسكرية الأمريكية المتكررة في الخليج العربي وإصدار وزارة الدفاع الأمريكية أوامر إلى مصانع الأسلحة لصناعة ألف صاروخ موجه من طراز توماهوك المستخدمة في الحرب في العراق. جميع ما استعرضنا مؤشرات أمريكية تصاحب الملف النووي الإيراني في الشرق الأوسط وتوحي بصناعة الفوضى من هذا الملف لتكون شغل الشرق الأوسط الشاغل في مخاوف التصعيد بين أخذ ورد بما يترك العرب ومنطقتهم في حالة من القلق المستمر وهنا لا بد أن نشير إلى ما تحققه الولايات المتحدة من ثمار هذه الفوضى الإيرانية و سياسة العصا والجزرة حيث أصبحت هذه القعقعة الأمريكية حول نووي إيران شماعة تستر وراءها الكثير من سياساتها في المنطقة وربما تتضح صورة الشرق الأوسط الجديد الذي تحدث عنه بوش في جدل الملف النووي الإيراني وتبعاته في المنطقة. فهذه الفوضى والتخويف من خطر إيران على الأمن القومي الأمريكي يساعدان في ستر الجثث المحملة في التوابيت إلى الولايات المتحدة والعائدة من مستنقعات الظلمات الأمريكية في العراق وأفغانستان عن عيون الشعب الأمريكي. كما أنها تغطي العديد من الممارسات الإسرائيلية في المنطقة وقد رأينا في الأسبوع الماضي كيف اختفى خبر الانتقادات الأوروبية للبؤر الاستيطانية الجديدة في القدس المحتلة وراء خبر العقوبات الأوروبية الجديدة على طهران. أما ارتفاع أسعار النفط الناجم عن هذه الفوضى فقد قبضته الولايات المتحدة من العائدات العربية التي خصصت لشراء الأسلحة الكاسدة في المؤسسات العسكرية الأمريكية حين أقنع بوش حلفاءه في الخليج بخطر البعبع الإيراني المحدق بهم ليل نهار في زياراته المتكررة لما يصفه بمحور الاعتدال في المنطقة. لا ننسى هنا أن نشير إلى الدور الإيراني في الشرق الأوسط الفوضوي الجديد الذي يصنعه بوش إذ لا يخفى على أحد توظيف إيران لنزاعات الشرق الأوسط (أو خلقها ربما) لتكون أوراقا تلعبها في التفاوض مع واشنطن حول ملفها النووي ولا يغيب في هذا المشهد التصريحات التي أدلى بها نائب الرئيس الإيراني قبل فترة ومنها قوله بالتحديد (.. إن بدء مفاوضات مع المجتمع الدولي بشأن الملف النووي الإيراني قد يؤدي إلى حل الكثير من المشاكل مثل العراق ولبنان وأفغانستان وأسعار النفط).... ولا داعي بعد هذا التصريح الجلي إلى مزيد تفصيل في أوراق طهران في المنطقة والتي ربما أفرد لها مقالة خاصة...... بين الشيطان الأكبر ومحور الشر بحسب توصيفات طرفي النزاع الإيراني والأمريكي يبقى لنا أن نشير إلى مكان العرب الواقعين في قلب هذا النزاع منه..... حيث لم تترك لهم فرقتهم واختلافهم دورا في هذا الشرق الأوسط الفوضوي الجديد أكثر من دور الأحجار على رقعة الشطرنج.

 

     كاتب من سورية