أسئلة في الخلاص والنجاة

 

 

د. ديمة طارق طهبوب

 

لطالما وجدت فكرة المخلص The Redeemer الذي يتحمل أوزار الناس ويشفع لهم سواء أكان نبيا أو وليا أو صالحا رواجا في الثقافة البشريه، وإن كان أصلها جاء في بعض الأديان فإن الثقافة الشعبية في أوقات الهزائم وتفشي الجهل شهدت موجات من إحياء تعلق الناس بهذه المفاهيم التي كانت وما زالت تتجلى في تعظيم وتبجيل الأولياء والصالحين والاعتقاد بنفعهم وضرهم واتخاذهم واسطة الى الله في تحقيق الحاجات. ولعل الاسلام تقدم الأديان والمذاهب جميعا في تحرير العقل من سلطة الخرافة وتكريمه بحرية الاختيار التي تنبع منها المسؤولية حيث جعل العقل مناط التكليف والمحاسبة وألغى الواسطة بين العبد وربه حتى لو كانت في جلالة الرسل والأنبياء وجعل عمل الانسان يعود عليه بالحسنات والسيئات دون أن يحمل أحد وزر أحد ولو مثقال ذرة ولو كانت أم عن وليدها أو ولد عن أمه اذ قال الله تعالى:' ولا تزر وازرة وزر أخرى وان تدع مثقلة الى حملها لا يُحمل منه شيء ولو كان ذا قربى'.

وان كانت الخطوط العامة في الخلاص والنجاة بهذا الوضوح فإن هناك بعض المفاهيم التي تستحق التساؤل: هل الخلاص والنجاة أمر فردي أم جماعي؟ هل تربي النصوص، قرآنا وحديثا وسيرة وفقها،المسلم على خلاص نفسه أم خلاص أمته؟ وللانصاف فإن المقاربة بين بعض النصوص تجمع الأمرين، وان كانت للوهلة الأولى وللقارئ غير المستبين قد تشي بعدم إمكانية تحققهما سويا.

إن أول ما يطالع المتفكر سورة الفاتحة التي تتكرر عشرات المرات في يوم الفرد المسلم في أخص صور العلاقة بين العبد وربه الا وهي الصلاة، فالحديث القدسي يبين أن الفاتحة مناجاة قُسمت بين حمد وثناء ودعاء واستعاذة يقولها العبد ليرد عليه المولى سبحانه وتعالى بالإجابة، وفي هذه المناجاة الجهرية أحيانا والسرية أحيانا أخرى والتي لا تكتمل الصلاة الا بها يخاطب العبد الفرد الوحيد ولو كان في صلاة الجماعة أو صلاة فردية ربه بضمير الجمع فيقول' إياك نعبد وإياك نستعين، اهدنا الصراط المستقيم'، أتراها إشارة ربانية متكررة تطرق على قلوب وآذان المسلمين أن النجاة جماعية يمثلها صراط مستقيم لجماعة استقامت على طريق الله؟ في ضوء سورة الفاتحة كيف اذن نفسر قوله تعالى' يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل اذا اهتديتم'؟ لا يستوي كما يستفيض ابن القيم شرحا في كتابه مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين حصر اهتمام المسلم بنجاته الشخصية فقط دون الاهتمام بهلاك الناس أو صلاحهم، فهل يمكن تفسير الآية بأنها نوع من تطييب خاطر المؤمنين الذين استنفدوا الجهد الجهيد في الدعوة الى الله ولم يحصلوا الإجابة كما طيب الله من قبل خاطر إمام الدعاة المصطفى صلى الله عليه وسلم بقوله' فلا تذهب نفسك عليهم حسرات'. وقد ينحصر تفسير الآية في أوقات الفتنة كما ورد في الحديث:' عن أبي أمية قال: سألت أبا ثعلبة كيف تقول في هذه الآية (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم)؟ قال: أما والله لقد سألت عنها خبيراً، سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال (بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيتم شحا مطاعاً وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذ رأي برأيه، فعليك بنفسك، ودع عنك العوام، فإن من ورائكم أياماً الصابر فيهن مثل القابض على الجمر، للعامل فيهن أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم قلنا: منا أم منهم؟ قال: بل منكم). هل يمكن أن يؤخذ مفهوم النجاة الفردية كأسلوب تربية يزيد في ورع الفرد المسلم وخوفه من ربه ومحاسبته لنفسه؟ في هذا يذكر الدكتور عماد الدين خليل في كتابه معالم الانقلاب الاسلامي في خلافة عمر بن عبد العزيز أن نفس عمر العابد الزاهد ظلت تنوء بأعباء الخلافة والخوف من تبعاتها وكان يكرر نصيحة وعظه بها أحد الرجال فقال له:' يا أمير المؤمنين ما ينفعك من دخل الجنة إذا دخلت أنت النار وما يضرك من دخل النار إذا دخلت أنت الجنة'، وهذا في ظاهر النص إغراق في الاهتمام بفردية النجاة ولكن واقع الممارسة الحياتية لعمر ألحقت خلافته بالخلافات الراشدة في خدمة المسلمين وقضاء حوائجهم مع تقتيره وتشديده على نفسه وأهله.

هل كان انغماس صلاح الدين الأيوبي في شأن الجهاد والفتح حتى أُثر عنه أنه لم يضحك حتى تحررت القدس وأنه كما وصفه أحد أصحابه لا ينام ولا يُنيم لقدر ما اهتم وانغم واستصعب الملم نسيانا لأمر خلاصه الشخصي مقابل تفكيره وعمله للاسلام والمسلمين، فان كان حبس نفسه في صومعة أو زاوية مسجد متهجدا متبتلا هل تحقق للمسلمين أي من فتوحاتهم وانتصاراتهم التي دخل بعدها الناس في دين الله زرافات ووحدانا؟ ماذا كان سيحصل لأحوال المسلمين لو امتنع أي من الأئمة الأربعة خوفا من الخطأ ورغبة في عتق رقابهم من النار عن الافتاء والاجتهاد والقياس وغيرها فيما لم يرد به نص؟ لعل القول البين في هذه المسألة ورد في الآية في محاورة بين الدعاة وأقوامهم الذين يستغربون إصرارهم على الدعوة دون طائل' واذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة الى ربكم ولعلهم يتقون فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء'، فالأية تبين صراحة أن النجاة مقصورة على الدعاة الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر فطلب الخلاص والنجاة يبدأ كعقد فردي بين العبد وربه يبين ذلك دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم المأثور' اللهم إني أسألك الجنة..' ولكن هل ينتهي الدعاء بأمنية تختلج في الصدر فقط أم يلحق به 'و ما قرب إليها من قول وعمل وأعوذ بك من النار وما قرب اليها من قول وعمل' وأين يكون هذا القول والعمل الذي يوصل للجنة ويُنجي من النار؟ هل يتحدث المسلم مع نفسه ويعمل في إطار مغلق أم يبلغ آية ويسعى ويعمل ويجاهد ليحصل بحبوحة الجنة بلزوم جماعة المسلمين كما ورد في حديث آخر؟ هل المقصود بفردية النجاة التركيز على لوم النفس واتهامها بالتقصير الدائم في جنب الله حتى لا تركن للدنيا وتطمئن الى عملها كما كان أبو بكر رضي الله عنه وهو من المبشرين بالجنة يخاف أن يضع قدمه اليمنى في الجنة ولا يضع اليسرى ولكن لما جاء أوان أمر الأمة ونجاة دين الاسلام وقف أسدا هصورا يقول' لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه الى رسول الله لقاتلتهم عليه والله لاقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة'. إن صحة فقه المسلم لمفهوم النجاة الفردية ينتج بالضرورة عملا نحو تحقيق النجاة الجماعية للاسلام والمسلمين لانهما توأمان تخلقا في نفس الرحم لا حياة لأحدهما دون الآخر.

ويبقى الأمر بحاجة الى ترسيخه من علماء الأمة حتى لا تُؤخذ العزلة والاعتزال رغبة في النجاة والهرب من تحديات الواقع كملاذ للشباب اليائس من إمكانية التغيير بل لتصبح مرحلة وقتية تشحن الإيمان والطاقة للانغماس في المجتمع لتنتج على نهج الأولين رهبان الليل فرسان النهار.

 

كاتبة من الأردن