راي القدس العربي
انتهت أيام الجنرال برويز مشرف رئيساً لباكستان بعد تقديم استقالته
أمس الأثنين دون التوصل لصفقة تحميه من المحاكمة. الاحزاب
الباكستانية الحاكمة، وحزب الشعب الذي كانت تقوده الراحلة بنازير
بوتو كانت تريد عزله برلمانياً، أما حزب الرابطة الاسلامية بقيادة
نواز شريف الذي عزله مشرف ونفاه بعد انقلابه عام 1999 فكان يسعى
لما هو أكثر من ذلك، إذ أراد الانتقام من مشرف، وتقديمه إلى
المحاكم كمجرم، ولهذا رفض شريف منح مشرف حصانة تحميه من الملاحقات
القانونية في المفاوضات السرية التي جرت.
مشرف ادى بعض الخدمات للبلاد، ولكنه خدم الأمريكان أكثر وشارك
بفاعلية فيما يسمى بحربهم ضد الارهاب، وخدمته للأمريكان هي التي
عرضته لأكثر من ثلاث محاولات اغتيال، احداها كادت أن تودي بحياته
عندما استهدفت موكبه، واخطأته بعربة واحدة فقط.
وربما يجادل انصاره بأنه حمى البلاد من غزو أمريكي، وتدمير
البرنامج النووي الباكستاني برضوخه للمطالب الأمريكية في خوض حرب
ضد طالبان و'القاعدة' في افغانستان، ولكن هذه المبررات تظل غير
مقبولة لرجل الشارع الباكستاني الذي يعتد ببلاده وانتمائها
الاسلامي، ويرى في تدخلها إلى جانب الأمريكان نوعاً من الخيانة
الوطنية، خاصة ان هذا التدخل ضد نظام اسلامي حليف في افغانستان.
وهذا ما يفسر انخفاض شعبيته، أي مشرف، إلى المرتبة الرابعة أو
الخامسة بعد بوتو وشريف والملا عمر زعيم 'الطالبان'، والشيخ اسامة
بن لادن زعيم تنظيم 'القاعدة' مثلما افادت استطلاعات الرأي قبل
اغتيال بوتو.
شعبية مشرف انخفضت إلى الحضيض مؤخراً، حتى أن أربعة برلمانات محلية
صوتت بالاجماع ضد عزله، والمؤسسة العسكرية التي تزعمها، واستخدمها
للاستيلاء على السلطة قبل تسع سنوات ادارت ظهرها له هي أيضا، وقال
جنرالاتها انهم لن يدعموا اي اعلان للطوارئ أو حل للبرلمان، وقالت
انها لن تدعمه، والأغرب من ذلك أن مؤيديه في اقليم السند امتنعوا
عن التصويت عندما ناقش برلمانهم المحلي مسألة عزله.
ومن المفارقة ان الأمريكان حلفاء مشرف لم يخفوا تأييدهم لمسألة
عزله عندما قالوا ان الأمر مسألة داخلية متروكة للمؤسسات الدستورية
للبت فيها. أي أنهم لن يتدخلوا لحمايته او ابقائه في السلطة مثلما
كان يتوقع منهم.
الموقف الأمريكي هذا ليس مستهجناً، فهكذا فعلت أمريكا دائماً مع
حلفائها، فهي تتخلى عنهم بمجرد عصرهم حتى النقطة الأخيرة، وتحقيق
ما تريده منهم، ومشرف ليس أفضل حظاً من شاه ايران، أو ماركوس
الفيليبيني، والقائمة طويلة على أي حال.
باكستان مقدمة على مرحلة من عدم الاستقرار، وذهاب مشرف لن يغير من
هذه الحقيقة، فالتنظيمات الاسلامية، وطالبان باكستان على وجه
التحديد تمر بمرحلة سريعة النمو والتصاعد، حتى باتت تسيطر تقريباً
على مناطق كاملة في البلاد، مثل الأقاليم الحدودية الموازية
لأفغانستان، فبيشاور تنتظر فقط اعلاناً بالانفصال بعد زوال أي أثر
للحكومة المركزية وسلطتها فيها.
الوضع الاقتصادي ايضا في حالة تدهور، فنسبة التضخم وصلت الى 25'
والمستثمرون بدأوا يهربون بأموالهم من البلاد إلى ملاذات آمنة في
الخارج، والروبية (العملة الباكستانية) انخفضت إلى أدنى مستوياتها
على الاطلاق امام الدولار الأمريكي.
البلد، وباختصار شديد يزحف بسرعة نحو المجهول، ولا أحد يستطيع أن
يتنبأ بما سيحدث في الأيام، أو ربما الأشهر المقبلة، فالأوضاع
مفتوحة على كل الاحتمالات، وانقلاب عسكري جديد ربما يكون الاحتمال
الأقوى، ولا يمكن استبعاد التفكك الداخلي والمناطقي أيضاً. فمن
المؤسف ان الديمقراطية الباكستانية ظلت هشة، دون جذور حقيقية متينة
تحمي البلد من الانهيار والوقوع في قبضة العسكر بين الحين والآخر،
ولكن قد تكون الفوضى هي البديل هذه المرة.