الديون الدولية بوصفها إحدى معوقات التنمية

  

د.  ضرغام الدباغ

 

 

برلين

 

2009

 

 

 

 

 

 

 

مدخل:

 

تعد مشكلة الديون وآثارها الاقتصادية والسياسية بالدرجة الأولى، إضافة إلى الآثار الجانبية على عموم هياكل البلدان النامية، واحدة من المعوقات الرئيسية لعملية التنمية في عصرنا الحالي.

 

والبلدان المتحررة التي تمكنت بعد تقديم تضحيات كبيرة في الأرواح والممتلكات من تحقيق الاستقلال الوطني، إلا أن هذا الاستقلال بدا شكلياً إلى حد ما بفضل الخراب على كافة الصعد التي واجهت الدول المستقلة حديثاً، بما في ذلك الموقف الاجتماعي والثقافي أيضاً، مما جعل الخطوة الحاسمة في الاستقلال السياسي، ألا وهو تحقيق الكفاية الاقتصادية وإحراز المنجزات على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي والتخلص من الآفات التي تنهش المجتمعات في البلدان النامية وفي مقدمتها: المرض والتخلف العلمي والثقافي، وشيوع ظواهر أضحت ملازمة لمجتمعات البلدان النامية، وتعمقت الهوة بين المجتمعات الصناعية، والنامية لدرجة تكاد تصيب باليأس والإحباط.

 

إن جوهر الاستعمار القديم (الكولونيالية)، والاستعمار الجديد (الإمبريالية)، والإمبريالية الجديدة (العولمة) هو اقتصادي بالدرجة الأولى له مظاهره السياسية بالطبع، ودليلنا على هذا القول، هو أن البلدان النامية عندما أحرزت استقلالها السياسي، باتت تواجه مشكلات خطيرة، جعل من استقلالها السياسي منجزاً في مهب الرياح العاتية، تفتك بها صنوف الأمراض الصحية والاجتماعية، وصراعات سياسية / اجتماعية، ونزاعات حدود، هي في الحقيقة من مخلفات الاستعمار والحقب السوداء.

 

نتقدم اليوم بهذا البحث لقرائنا انطلاقا من أهمية الفهم الدقيق لجوهر المشكلات التي تواجه البلدان النامية، ولا يخفى أن تشخيص الداء ووصف الدواء هو الخطوة الأولى على طريق حل المشكلات. وقد آثرنا تقسيم بحثنا إلى ثلاثة أقسام:

 

الأول: الديون ومشكلات نظام النقد الدولي.

الثاني: أزمة الديون في البلدان النامية.

الثالث: دور القروض و(المساعدات) في اقتصاد البلدان النامية.

 

والديون إشكالية التي ما برحت أن تطرح نفسها على مسرح السياسة الدولية والاقتصاد الدولي على حد السواء بوصفها واحدة من أبرز هموم العصر وقضاياه المعقدة.

 

والإشكالية ذات أبعاد سياسية / اقتصادية / قانونية، إشكالية التحمت عناصرها تلاحماً يصعب الفصل بينها، فيما سنركز في بحثنا هذا على الجوانب السياسية / الاقتصادية

 

الديون فقرة موجودة في الاقتصاد منذ أقدم العصور والمشروع، أي مشروع إنما هو بحاجة في المقام الأول إلى تمويل(إلي جانب توفر عناصر أخرى)، أي إلى أموال سائلة، وفي حالة الافتقار الذاتي له، لا بد من اللجوء إلى تمويل خارجي وهو ما يعني الاقتراض، أو الاستدانة، ولكن الأمر يبدأ منذ هذه اللحظة بالتعقيد، وتتداخل العوامل السياسية والاقتصادية، وقلما تلعب العناصر الإنسانية دوراً في هذا المجال.

 

بالطبع لا يمكننا أن نلغي الاقتراض من الاقتصاد الدولي، ولا اشتراطات الدول التي تقدم الديون، ولكن أي قروض وبأي شروط فتلكم هي المسألة الجوهرية. وهناك ثلاث دول فقط في التاريخ المعاصر، تنص دساتيرها على عدم الاقتراض وهي: رومانيا (في العهد الاشتراكي)، ألبانيا (في العهد الاشتراكي)، وبورما.

 

وتتفاوت الديون بطبيعتها إلى: ديون دولية، وديون حكومية، وديون خاصة، ولكل منها مزاياها ومساوئها. وعدم الاستدانة يوفر على المستدين دفع لا أقل من 10% فصاعداً كفوائد، وأكثر من الفوائد يجنبها الرضوخ للشروط الخارجية ولا تتيح فرصة للتدخل في الشؤون الداخلية، ربما للحد الذي يتم فيه تدمير اقتصاد البلاد، وسيادته واستقلاله السياسي، والدين كما نقول في ثقافتنا العربية الإسلامية (هم في الليل وذل في النهار) وهو شر بصفة عامة ولكن يمكن في نفس الوقت قبول هذا الشر على أنه أهون من الاستسلام للتخلف، حتى وصفت الديون بالفخ، أو الطعم للاستدراج إلى آليات تضعها بيوت المال العالمية.

 

ودول العالم كافة دائنة ومدينة، بما في ذلك الدول الصناعية الثرية، وكذلك بلادنا العربية وبدرجات متفاوتة بطبيعة الحال، وباستثناء البلدان المنتجة للنفط، تعاني الدول المدينة من أزمة يطلق عليها أزمة إيفاء خدمة الدين (قسط الدين + الفائدة) وشأنها في ذلك شأن البلدان النامية كافة تقريباً، ولكن الديون لم تبلغ في البلاد العربية على الأرجح ضمن هذه دائرة الشيطان(عندما يبلغ خدمة الدين أكثر من 30% من موارد الدخل القومي)، ولكن بالرغم من ذلك، فإننا ننظر إليها بوصفها مشكلة تستحق الدراسة وإيجاد الحلول، وأي حل سوى تحقيق تقدم حقيق في روافد الدخل القومي، بل وربما إيجاد روافد جديدة، وتطوير قطاعات هي قيد العمل، مع انتهاج سياسات داخلية تتمثل بالتصدي للمشكلات الاجتماعية الديموغرافية وفي مقدمة تلك الانفجار السكاني الذي تعاني منه البلدان النامية، والعمل على تحسين أساليب التدريب ورفع مستوى الإنتاجية، والتصدي لقائمة طويلة من المشاكل السياسية والاقتصادية والثقافية، وللكثير منها لواحق وجذور يصعب التعامل معها والتوصل إلى حلول مرضية، وبذلك يحق حقاً وفعلاً ترديد المثل العراقي العبقري: الشق كبير والرقعة صغيرة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أولاً : الديون مشكلات نظام النقد الدولي

 

توصف ديون البلدان النامية بأنها واحدة من أكثر المعضلات التي تواجه عمليات التنمية تعقيداً، وتزيد في تعثر مشكلاتها الاقتصادية، ولا يختلف أحد في أنها أبرز المعوقات التي تواجهها إطلاقاً.

 

وتعرف المصادر الاقتصادية الكلاسيكية الديون بأنها من أهم أساليب تصدير رأس المال، لا سيما تلك القروض التي تقدمها البنوك الكبيرة. فهي تحقق من جهة ربحية عالية من خلال سعر الفائدة على مبلغ الدين تتجاوز بكثير سعر الفائدة الذي تقدمه للمودعين، ومن هنا نفهم أن هناك عدة أنواع من القروض أهمها:

 

القروض الحكومية: وهي تلك القروض التي تقدمها الحكومات لبعضها، وهي ذات سعر فائدة منخفض نسبياً.

 

القروض دولية: وهي قروض تقدمها المؤسسات المالية الدولية(يشترك في رأسمالها عدة دول تمثل الدول الصناعية الرأسمالية المتقدمة الجزء الأعظم في رأسمالها المؤسس). ومن أبرز تلك المؤسسات، صندوق النقد الدولي IMF، والبنك الدولي للتنمية والإعمار IBRD، وهي ذات أسعار فائدة متوسطة.

 

القروض الخاصة: وهي القروض التي يقدمها بنك واحد أو عدة بنوك مجتمعة (Consortium)، وهي ذات أسعار فوائد مرتفعة.

 

وإذا كانت القروض الحكومية تعد من أسط القروض لجهة الفائدة التي تتراوح بين 5 ـ 7 %، إلا أنها من أشد القروض ظلماً وجوراً، أما القروض الخاصة فهي أكثرها إرهاقاً لجهة شروط استرداد الدين والفائدة العالية، والتشدد في آجال الدفع، أما القروض الدولية، فهي أنسب أنواع القروض ولكنها لا تخلو من شروط تطالب من خلالها الدول النامية، بشروط اقتصادية وسياسية لا تخلو من الشدة والتدخل في الشؤون الداخلية.

 

وتستغل الجهات المقرضة الديون من أجل:

1. تنشيط صادراتها من السلع الجاهزة.

2. المنافسة في التجارة العالمية.

3. توجيه الضغوط السياسية والاقتصادية.

4. خلق وترسيخ التبعية للبلدان النامية.

 

وفي كل ذلك فإن الحصول على الأرباح والأرباح المركبة هي الغاية الرئيسية من الديون كشكل من أشكال تصدير رأس المال والاستثمار.

 

والديون وإن كانت معروفة قديماً في الاقتصاد، إلا أننا نلاحظ أنها بدأت تتحول إلى واحدة من الملامح الرئيسية في اقتصاديات البلدان النامية منذ الحرب العالمية الثانية، أي في المرحلة التي بدأت فيها تصفية الاستعمار القديم(وتلك ملاحظة جديرة بالاهتمام والتتبع) الذي عملت فيه الولايات المتحدة بكل قواها وبذلت المساعي لتقليص نفوذ الإمبراطوريات الاستعمارية لا سيما بريطانيا وفرنسا، وبدأت تطرح نفسها بوصفها زعيمة " للعالم الحر"، ولكن مع التحول إلى نظام الاستعمار الجديد، كانت الديون والمساعدات واحدة من أبرز أساليب الإمبريالية الأمريكية في التوسع والتغلغل بصورة خاصة في الاقتصاديات الوطنية للبلدان النامية المتحررة حديثاً، وهي في ذلك كانت تهدف أيضاً إلى إبعاد تلك البلدان عن الاتحاد السوفيتي والمعسكر الاشتراكي الذي ابتدأ يقيم الصلات مع البلدان النامية. ثم أن الرأسمالية العالمية كانت تهدف إلى ربط البلدان النامية إلى آليات (ميكانزم) الاقتصاد الرأسمالي العالمي، وفي هذا المجال لعبت الديون و "المساعدات " أبرز الوسائل في تحقيق ذلك الهدف. لاحظ جدول تطور ديون البلدان النامية:

 

الجدول: تطور ديون البلدان النامية وخدمة الدين السنوية بمليارات الدور خلال 20 عاماً

 

 

 

السنة

حجم الديون

خدمة الدين

1960

17،9

2،6

1965

37،1

4،9

1970

74،1

9،0

1975

206،8

27،2

1980

610،0

68،0

1985

790،0

92،0

 

 

المصدر:

Hans Joachim Durbowsky & Helmut Faulwetter: The  Indebtedness of developing countries and its Connsquences, in: W. Luchterhand, op. Cit. 1988, P. 21 /22

 

 

ومشكلة الديون الدولية لها طابعها المتصاعد وذلك ما يمنح المشكلة نمط الأزمة المستديمة كظاهرة مستفحلة في اقتصاديات البلدان النامية، تتحمل وزرها بالدرجة الأولى البلدان المتطورة التي تعمل على تعميق جراح البلدان النامية وتزيد من تبعيتها الاقتصادية والسياسية، وإلقاء نظرة سريعة على تطور ديون البلدان النامية تؤكد بجلاء صحة التحليل:

 

 

 

 

 

جدول بتطور الدين وخدمة الدين في البلدان النامية

 

 

 

 

Quelle:
Weltbank - Gobal Development Finance 1999

المصدر

البنك الدولي

التمويل للتنمية 1999

 

 

مجموع الديون الخارجية

بمليارات الدولارات

 خدمة الديون للديون الطويلة

بمليارات الدولارات الأجل

1980

1990

1998

1980

1990

1998

كافة البلدان النامية

609,5

1472,8

2465,1

75,3

140,2

256,4

البلدان الثقيلة الديون مع دخل واطئ

58,1

203,1

211,2
(1997)

4,5

8,1

8,7
(1997)

بلدان ذات مديونية عالية وفقيرة

58,3

188,6

205,7

4,6

5,9

6,2

أفريقيا

60,9

177,4

225,8

5,2

9,0

10,8

 

 

Quelle: Weltbank - Gobal Development Finance 1999

 
وتتذرع الأوساط الرأسمالية والمؤسسات المالية المنقرضة التي تعمل بأشراف أو إيحاء البنوك الكبرى والحكومات الرأسمالية مثل صندوق النقد الدولي IMF والبنك الدولي للتنمية والإعمار IBRD، بأن العجز في الميزان التجاري هو سبب تصاعد ديون البلدان النامية، إلا أن ذلك ينطوي على تبسيط شديد ونظرة أحادية الجانب لأزمة خانقة تستفحل عاماً بعد عام، ومحاولة لإلقاء اللوم كله على البلدان النامية نفسها ونفي لمسؤولية الدول الصناعية الرأسمالية ومؤسساتها المالية.

ولا يحتاج المرء أن يجهد نفسه كثيراً في التحري عن أسباب ذلك العجز في الميزان التجاري وفحص وتقييم الحالة برمتها، ليتوصل سريعاً إلى نتيجة مفادها: أن البلدان الصناعية المتقدمة تعاملت حيال البلدان النامية بطريقة لا تنم إلا عن الجشع واقتناص فرص الربح بصرف النظر عن الوسائل اللاإنسانية والنتائج المأساوية الذي تجد العديد من البلدان النامية نفسها فيه نتيجة لهذه السياسات.

 

وبدقة أكبر، فإن ظاهرة الديون، ما هي إلا نتيجة لتقسيم العمل الدولي الذي سعت إليه البلدان الصناعية الرأسمالية، وبصفة خاصة الولايات المتحدة الأمريكية، وهي ماضية في تثبيته نهائياً بهدف الإبقاء على البلدان النامية في موضع التبعية وتكريسها في خدمة آليات (Mechanismus) الاقتصاد الرأسمالي العالمي، وفي موقف صعب لتسهل السيطرة عليها في مواصلة نهب ثرواتها الطبيعية وخاماتها الطبيعية وتسخير قوة العمل فيها لمصلحة الاحتكارات الرأسمالية، وإن العجز في الميزان التجاري للبلدان النامية ما هي إلا واحدة من تأثيرات كثيرة ليست سياسية فحسب، بل وسياسية واجتماعية أيضاً.

 

وبنتيجة تظافر العوامل التي أدت وما زالت تؤدي إلى تدهور متواصل للاقتصاد الوطني للبلدان النامية، وبدرجة أساسية دورها ومكانتها في التجارة العالمية، والذي هو نتيجة مباشرة لتخصص هذه البلدان في مجال تصدير المواد الخامية والمعدنية أو الزراعية، وفي بعض الدول يستفاد من قوة العمل فيها(إما لرخصها، أو لأنها قادرة على المباشرة في بعض العمليات الأولية للإنتاج) من أجل إنتاج مكونات ثانوية مساهمة في عمليات الإنتاج الرئيسية.

 

ولم تكن النتيجة المباشرة لهذه العملية إلا تصاعد الحاجة إلى سلع صناعية عديدة: استهلاكية في المقام الأول، تتصاعد أسعارها باستمرار في البلدان الصناعية الرأسمالية، مقابل انحطاط أسعار المواد الخام والزراعية المصدرة من البلدان النامية(شاي ـ قهوة ـ كاكاو ـ مطاط)، ذلكم هو السبب الجوهري والحقيقي للتراجع المستمر في الميزان التجاري للبلدان النامية واضطرار تلك الدول(في معظم الحالات) إلى تغطية الفجوة الحاصلة بين الصادرات والأستيرادات إلى الاستدانة من أجل سد الحاجة الناشئة إلى العملات الصعبة من أجل تمويل مستورداتها بالدرجة الرئيسية.

 

وعلى الرغم من تلك العراقيل والمعوقات التي تضعها البلدان الصناعية أمام تنمية البلدان النامية، إلا أن لا يمكننا إعفاء العاملين في أجهزة التخطيط في تلك البلدان من المسؤولية. فعلى سبيل المثال لا الحصر، فإن تحديد النسل يعد إحدى المعضلات في البلدان النامية، وهي مشكلة ضاربة في أعماق تراث وتقاليد المجتمعات المتخلفة. ومع الزيادات الواسعة في حجم السكان، تنشأ مشكلات ديمغرافية معقدة، وهذه الزيادة هي أكبر من حجم التنمية المحققة فعلاً.

فنهاك إذن زيادة كبيرة في السكان، يقابلها نمو بسيط في الموارد (أي في التنمية)، فالأعضاء الجدد في المجتمعات هم بحاجة، وربما أكثر من الأجيال السابقة إلى التعليم والرعاية الصحية والمواصلات والطاقة والخدمات الأخرى، وبالطبع إلى المواد الاستهلاكية أيضاً، ولكن الأهم من كل ذلك هو الغذاء، فإنتاج الغذاء يتراجع هو الآخر في البلدان النامية مما تضطر الحكومات إلى الاستيراد والاستدانة لتغطية التمويل.

 

وهنا تتقدم الدول الصناعية الرأسمالية(حكومات وبيوت مال، بالإضافة إلى حضورها القوي في المؤسسات المالية الدولية) وبفعل استخدام رأس المال الكثيف في الزراعة إلى جانب التكنولوجيا رفيعة المستوى، وأخيراً المنجزات الباهرة للهندسة الوراثية التي تزيد من الإنتاج وترفع من مستواه، تتقدم إلى الدول النامية لتعرض عليها منتجاتها الزراعية الوفيرة(لا سيما الحبوب واللحوم، المنتجات المصنعة منها) كما تقدم القروض لشراء تلك المنتجات.

 

ومن النتائج التي ظهرت في العقود القريبة المنصرمة والحاسمة في إطار التحولات الكبيرة، تراجع مكانة البلدان النامية في تصدير المنتجات الغذائية، مقابل تقدم واسع للبلدان الصناعية التي بإمكانها أن تقدم المنتجات كمحاصيل أو كصناعات غذائية على حد السواء، لاحظ الجدول التالي:

تراجع إنتاج الغذاء في البلدان النامية مقابل تقدم الدول الصناعية في نفس المجال. بالنسبة %

البلاد

61/1963

82/1984

البلدان النامية

44،8

34،2

البلدان الصناعية

46،2

62،7

 

 

 

 

المصدر:

IMF, Isswues and development in International trade policz Occasional Paper 63, December 1988, P28

 

وفي هذه الحالة تصبح البلدان النامية التي كان تصدير المنتجات الزراعية والغذائية، أضحت مستوردة له لسبب موضوعي يتعلق بتكثيف الاستثمار في الزراعة الحديثة من جهة، ولكن أيضاً لسباب ذاتية تكمن في سوء التخطيط وإدارة الأرض والاقتصاد الزراعي وسلسلة من المعوقات الاجتماعية المتوارثة في البلدان النامية من جهة أخرى.

 

ولنلاحظ الجدول التالي الذي يشير إلى حجم أستيرادات بعض البلدان العربية على سبيل المثال للمنتجات الزراعية والغذائية ونسبتها إلى حجم الصادرات ولنجد أنها في أفضل الحالات لا تقل عن الثلث وفي معظمها تقارب النصف أو أكثر، بل وفي بعضها تفوق حجم الصادرات، فلن يتبقى هناك من سبيل لردم الهوة وتأمين الحاجات الغذائية المهمة، وفي المقدمة منها الحبوب، إلا الاستدانة لتمويل عمليات الشراء، أو لتمويل الجزء الأعظم منها.

 

الجدول يشير إلى النسبة المئوية لعائدات التصدير المخصصة لاستيراد الغذاء(1972ـ1975)

 

الدولة

النسبة %

مصر

67،7

المغرب

38،6

السودان

35،6

تونس

30،5

الأردن

112،6

لبنان

45،5

سوريا

41،5

الجمهورية العربية اليمنية

172،4

جمهورية اليمن الديمقراطية

75،7

 

المصدر:

الجبالي، مصطفى: تلبية الحاجات الغذائية الأساسية،  في برنامج الأمم المتحدة للبيئة، ص160، الكويت/1990  

 

ثم أن القفزات في التكنولوجيا، ترغم البلدان النامية في برامج التصنيع، (كسبب مضاف لبواعث القروض) ضمن سعيها للحصول على التكنولوجيا الحديثة التي تعني تغيراً مهماً في الكم والنوع(Qauntity & Qauality) حيث اضطرت هذه البلدان للقيام بعملية تحديث لهياكلها الإنتاجية التصنيعية، ولم يكن أمامها سوى مصدرين للقيام بمثل هذه العملية: إما توفيها من قدراتها الذاتية وهي ضئيلة لا تفي بالغرض، أو الاعتماد على القروض على أمل تسديدها بأقساط وآجال مريحة من إنتاج هذه المشاريع أو من وسائل التمويل الأخرى.

 

وعلى هذا الأساس، هبت ظاهرة القروض من الدول الصناعية أو من اتحادات المصارف الدولية بفوائد عالية، ولم ينجو من ذلك حتى البلدان المصدرة للنفط التي تتمتع بمداخيل عالية، فاضطرت للاستدانة بفعل ثلاثة عوامل رئيسية:

* تلبية لتزايد نزعة الاستهلاك.

* ارتفاع أسعار السلع والمعدات المصنعة في الدول الرأسمالية.

* تزايد الحاجة إلى المواد الغذائية والزراعية بسبب الزيادات المتواصلة في السكان وتراجع دور الزراعة والإنتاج الزراعي.

 

ثم تفاقمت ظاهرة القروض واشتدت في السبعينات مترافقة مع ظواهر أخرى كان لها انعكاساتها المهمة والمباشرة على أوضاع البلدان النامية، وإذا كان التضخم في البلدان الرأسمالية الصناعية قد أدى من جهة إلى رفع أسعار السلع والبضائع، فمن جهة أخرى أدى إلى رفع سعر الفائدة على العملات الرئيسية ولا سيما الدولار الأمريكي، فهذه أدت بدورها إلى ارتفاع سعر الفائدة على الديون المقدمة إلى البلدان النامية، فأزداد حجم الديون الذي أدى إلى ارتفاع حجم الفوائد، مع تراجع مستمر في صادرات البلدان النامية وتراجع أسعار صادراتها.

 

ومع الإشارة إلى أن صادرات البلدان النامية(وهي خامية على الأغلب) تتوقف عادة على النمو الاقتصادي في البلدان الصناعية التي يمكن إذا ما أرادت أن تزيد الطلب عليها في صورة كمية مع تحسين أسعارها، أما واردات البلدان النامية فتتوقف على درجة نمو البلدان النامية نفسها.

 

ومع تصاعد ظاهرة الديون، اتجهت مؤسسات مالية عديدة(عدا الحكومية) إلى إقراض الدول النامية. والملفت للنظر، أن المصارف الدولية اتجهت هي الأخرى إلى بالبلدان النامية لإقراضها بسخاء ملف للنظر، ولم يكن ذلك في الواقع سوى تدوير لرأس المال الذي شكلته الفوائض النقدية من البلدان المصدرة للنفط كمصدر رئيسي، والتي لم يعد اقتصادها الوطني قادر على استيعاب العوائد الضخمة التي انهالت عليها بصورة مفاجئة عام 1973ـ1974 فصاعداً، لا في الصناعات ولا حتى في قطاع الخدمات، فأتهجه هذه الفوائض إلى المصارف الدولية لتودع فيها مقابل الفائدة.

 

وهكذا توفرت سيولة نقدية هائلة لدى المصارف والبنوك الرئيسية في البلدان الرأسمالية المتقدمة، فكان لا بد لها أن تبحث عن استثمارات مربحة، فلم يكن هناك أفضل من تقديمها إلى البلدان النامية مقابل فوائد عالية، بالإضافة إلى أن القروض توفر القدرة على توجيه الضغوط والشروط السياسية والتدخل في الشؤون الداخلية الاقتصادية والسياسية للبلدان المدينة.

 

وصحيح القول أن الرأسمال المصدر للاستثمار بواسطة الديون، يعود على البنوك بالأرباح من خلال الفوائد، ولكننا نعلم أن هذه الأموال هي أساسية في عملية تراكم راس المال المستثمر أساسا في الصناعة وفي الإنتاج بصفة رئيسية، وإن راس المال التجاري أو المصرفي ليس إلا شكلاً من إشكال توظيف رؤوس الأموال.

 

وارتسمت على أرض الواقع ملامح صورة لا تخلو من الندرة والطرافة، فالرأسمال العالمي يأخذ الفوائض من البلدان النامية المصدرة للنفط ثم يقرضها (استثمارا) إلى البلدان النامية الغير مصدرة للنفط، بل أن هذه الندرة والطرافة تترجم نفسها إلى أرقام، إذ علمنا أن حجم الدين الخارجي للبلدان النامية من غير الأعضاء في منظمة أوبك، بلغ عام 1988 ما مقداره 430 مليار دولار، وفي نفس الوقت كان حجم ودائع البلدان النامية من أعضاء منظمة أوبك في المراكز المالية يبلغ 423 مليار دولار، كانت أميركا اللاتينية في مقدمة القارات المدينة 46%، ثم تليها آسيا 28%، ثم أفريقيا 16%.

 

بيد أن المشكلة الكبرى تمثلت في انخفاض أسعار المواد الأولية الخامية التي تعتمد عليها البلدان النامية في الحصول على مواردها لتطمين حاجاتها الرئيسية من جهة، وإيفاء ديونها من جهة أخرى، حيث تدهورت أسعار تلك المواد خلال أعوام الثمانينات بصورة ملحوظة وانعكست تلك الأزمة على حاجاتها المتزايدة وأتجهت إلى طلب ديون جديدة لإيفاء الديون القديمة نتيجة عجز صادراتها من القدرة على إيفاء الديون، ومن جهة أخرى تصاعدت حاجاتها إلى السلع والغذاء مما شكل مأزقاً حقيقياً للدائن وللمدين على حد السواء.

 

وإذ اتضحت معالم الأزمة المأزق، فلا الدول المدينة قادرة على إيفاء ديونها، بل هي تطالب بأستمرار إعادة جدولة الديون التي لا تعني في الواقع شيئاً سوى فرصة لألتقاط الأنفاس دون أن يتغير من جوهر الأمر شيء، ما لم يزداد سوءاً، وغذ بدأ نظام النقد الدولي استيعاب هذه الأزمة أسرع من البلدان النامية، فقد توقع الكثير من الخبراء الاقتصاديين أن الأزمة ستأخذ أبعاداً خطيرة، وابتدأت المصارف الكبرى تتباطأ في تقديم القروض الجديدة وتراجعت بنسبة الثلث تقريباً في منتصف الثمانينات عما هي عليه في أواخر السبعينات.

 

وهنا تدخلت المصارف الدولية وعلى رأسها صندوق النقد الدولي IMF بعرض شروط قاسية تنطوي على تدخل وهيمنة فاضحة في الشؤون الداخلية للبلدان المدينة بهدف إحداث تعديل في الميزان التجاري لصالح الصادرات لتمكين الدول المدينة التي تطالب بديون جديدة من أحل إيفاء الديون القديمة.

 

ومع أن البلدان النامية ومن خلال دفعها لخدمة الدين كانت توفر سيولة نقدية لدى المصارف لتقديم ديون جديدة، إلا أن المصارف فضلت التعامل بتأني وواصل ضغوطها على الدول المدينة، ونجحت في أحداث تحويلات مهمة من البعض المدينة، ولكن مقابل ثمن باهض تمثل في إفقار تلك البلدان التي استجابت لشروط النقد الدولي وأهمها المكسيك والبرازيل، وأشاعت البطالة والانحطاط في مستويات الدخول والمعيشة. 

 

وفي استمرار استنزاف موارد البلدان النامية من خلال أقسط خدمة الدين، كانت مدفوعات الفوائد لوحدها تمثل أكثر من القروض التي تمنحها المصارف الدولية، أي أنها(البلدان النامية) تحولت إلى مصدر لأرباح صافية لرؤوس الأموال المستثمرة في البنوك.

 

ولفترة ساد اعتقاد أن أزمة المديونية في البلدان النامية (في أواسط الثمانينات) قد توصلت إلى حدود متفجرة وسوف ينجم عنها تناقضات حادة ستقود إلى نتائج اقتصادية وسياسية خطيرة بالدرجة الأولى في البلدان النامية، ثم أن تجارة البلدان الرأسمالية الصناعية معها ستكون في مأزق حرج لعجز تلك البلدان عن دفع ديونها من جهة وتصاعد احتياجاتها إلى التجارة الخارجية من جهة أخرى.

 

إلا أن البلدان الدائنة وهي في معظمها بلدان رأسمالية صناعية متقدمة، والجهات المالية الدائنة وهي على الأغلب المصارف الرئيسية والبنوك الدولية في أوربا والولايات المتحدة واليابان كانت قد أعدت لمثل هذه النتيجة عدته، وهي تدير الأزمة ببراعة بما تمتلكه من قدرات مالية هائلة (سيولة نقدية) وقدرات إدارية فنية في العمليات المالية المصرفية وإمكاناتها في مواصلة توجيه الضغوط السياسية والاقتصادية على البلدان النامية التي غدا تحويل ما تحصل عليه من العملات الصعبة نتيجة صادراتها الخامية بشكل منتظم كفوائد على الديون، ونادراً ما استطاعت أن تحدث تغيراً جوهرياً على موقفها الاقتراضي، بل أن النتيجة لذلك كانت الهيمنة الكاملة لتكل المصارف والبنوك الدولية المتزايد على مقدرات البلدان النامية إلى أن توصلت إلى السيطرة والإشراف على الاقتصاد الوطني برمته، والتأثير على التطورات والمواقف السياسية في تلك البلدان بحيث أنها أصبحت تكافئ(الدول الرأسمالية المتقدمة) هذه الحكومة أو تلك بشطب جزء من ديونها بناء على موقف تتخذه لصالحها، وكأنها واثقة بأم مسلسل الديون والفوائد إنما هو مسلسل لا ينتهي طالما أن الهياكل الأساسية للاقتصاد الوطني لتلك البلدان ما زال ضعيفاً، وتابعاً للاقتصاد الرأسمالي العالمي.

 

وهكذا تحولت ظاهرة ديون البلدان النامية إلى أداة سياسية حيال حكومات تلك البلدان واقتصادياً من أجل إحكام ربط الاقتصاديات الوطنية إلى الرأسمالية الصناعية العالمية، وتبدد الاعتقاد الذي ساد لفترة قصيرة بأن حجم ديون البلدان النامية سيكون عقبة في وجه الدول الصناعية المتقدمة أو في التجارة العالمية، بل أنها تحولت إلى موارد نقدية صافية من خلال العمليات التي تجيد إدارتها وفي تحديد سعر الفائدة والاقتراض لتسديد الاقتراض والفائدة والربح المركب الناجم عن التأخير في تسديد الديون وإعادة الجدولة.

 

وحسب التقديرات، فإن البلدان النامية صدرت 7 مليار دولار كصافي أرباح للديون، ما لبث أن أرتفع إلى 56 مليار دولار عام 1983، وإلى 74 مليار عام 1985. وفي نفس العام (1985) كانت القروض إلى البلدان النامية لم تتجاوز 41 مليار دولار، ولكنها في نفس الوقت استلمت أقساط ديون قديمة بلغت 114 مليار دولار، وإن تحويل الأرباح والفوائد على الديون وخدمة الدين يقدر بين عامي 1982 و1987 أي أن أرباح الديون تلتهم حتى الزيادة المحتملة.

 

وتتجاوز ظاهرة الديون (في مرحلة الثمانينات) عمق الأزمة التي تطرحها الأرقام والإحصائيات إلى تفاصيل ومفردات أخرى في آليات النظام الرأسمالي في مقدمتها ما يدور في أسواق النقد الدولي والحركة الواسعة النطاق للرأسمال الذي غدا دولياً بصورة متسارعة في المصارف العالمية ككتلة مالية في حركة يومية تبلغ أرقاماً فلكية، وإذا علمنا أن المعدل اليومي لدورة رأس المال في السوق الأوربية للدولار في لندن يبلغ 300 دولار مليار يومياً، وفي باقي مراكز تبادل العملات 10 مليار دولار يومياً، أي ما يقارب 35 ترليون دولار في العام الواحد.

 

وعدا أن هذه الحركة تدر فوائد وخدمات، فإن ظاهرة تبدل أسعار العملات والذهب وأسعار الفائدة على الإيداعات، والحركة السريعة الإيقاع لسوق الأوراق المالية (الأسهم والسندات) وجميع هذه الفعاليات التي حلت بقوة في الاقتصاد الرأسمالي، أو أنها تطورت على نحو بالغ، غدت إحدى سماته الأساسية في المرحلة المعاصرة، وغدت البنوك تلعب دوراً قيادياً مهماً فقي حركة راس المال المالي، وتعاظمت أهميتها لا سيما بعد انتهاء العمل بقاعدة برتون وودر التي أقرت عام 1944 على اساس أن الدولار هو العملة الوحيدة القابلة للتبديل بالذهب (35 دور للأوقية الواحدة) وإنهاء العمل بهذه القاعدة، طرح أسس جديدة لنظام النقد الدولي، وعرض موجودات البلدان النامية القليلة من العملات والذهب، وأسعارها إلى التذبذب، بل وأيضاً أسعار منتجاتها الخامية والزراعية من خلال عدم ثبات أسعار العملات والفائدة عليها في البنوك، وعرض موقفها المالي إلى الضعف إزاء هذه الكتلة النقدية الهائلة السائلة في أسواق العملات العالمية ناهيك عن أسعار عملاتها الوطنية.

 

وأدى ذلك بالنتيجة إلى تضخم تعاظم دور البنوك في الحياة الاقتصادية الدولية، وقد بلغت الودائع في النظام المصرفي الدولي في نهاية السبعينات أكثر من 600 مليار دولار، وكان لا بد لهذه الكتلة النقدية الضخمة أن تبحث عن الاستثمارات لترد الفوائد إلى المودعين، فلم يكن هناك أسهل من الإقراض الذي يقف ممثلوا البلدان النامية في مقدمتهم، ومن المعروف أن المصارف تقدم القروض بفوائد عالية وبشروط استرداد وآجال غير مناسبة.

 

وتشير الإحصائيات إلى أن حركة الإقراض قد تصاعدت من 170 مليار دولار في عام 1973 إلى 810 مليار عام 1980، وقد لعبت فعالياتها في البلدان النامية الجزء الأعظم من فأنشطتها بصفة عامة، وغدا للبنوك ولنظام النقد الدولي دوراً حاسماً في نهب البلدان النامية، ووسيلة جديدة للتراكم المالي في النظام الرأسمالي، غير أن التراكم عن طريق الإنتاج، وفي ذلك اختصار كبير في تحقيق الأرباح الذي أصبح الهدف الأوحد، ولملاحظة الفرق في التراكم، أنظر رجاء إلى الطريقة الكلاسيكية في:

 

* تراكم راس المال عن طريق الإنتاج الصناعي:

 

                         قوى إنتاج

 

رأس المال ـــ                             ــــ سلع منتجة  ــــ أرباح

 

                        وسائل إنتاج

 

 

* ثم في تراكم رأس المال عن طريق الأستثمار المالي:

 

رأس المال ـــ أستثمار في البنوك ــــ  أرباح

 

فينما كان الرأسمال يدخل الإنتاج الصناعي من أجل الأرباح، وكان لا بد من وجود قوى، ووسائل إنتاج إنتاج من أجل تحقيق ـ سلع وبضائع ـ تعود بالربح ـ ليتراكم على رأس المال، أما الآن فإن رأس المال يتجه إلى البنوك من أجل تحقيق أرباح سريعة، والديون والقروض في مقدمتها لتحقيق عوائد عالية وبسرعة قياسية، وتمويل الاستثمارات في البلدان النامية بواسطة الإقراض أضحت هي الوسيلة الأفضل لتحقيق الأرباح المجزية، وكلما ارتفعت أسعار الفائدة على الإيداع، ترتفع بطبيعة الحال الفائدة على القروض، وغالبية المودعين هم مستثمرين أو مساهمين في سوق النقد العالمية، أو الفوائض النقدية لبعض الأقطار النفطية التي تصدر بكميات تفوق حاجتها إلى النقد الأجنبي تلبية لضغوط من البلدان الصناعية، ولكن الضحايا في جميع الأحوال هم البلدان النامية، وترتفع الفائدة على القروض الخاصة (قروض البنوك الرئيسية) إلى 25% وأكثر، وتتذ    رع الجهات الدائنة بأن التضخم هو سبب ارتفاع الفوائد، ولكن معدلات التضخم تراجعت ولكن أسعار الفائدة ما زالت إما ثابتة أو أنها في تصاعد.

 

وعلى الرغم من الآثار الموجعة للقروض الخاصة (كونسيرتوم بنوك) إلى الواقع المرير لعمليات التنمية في البلدان النامية تلجأءها إلى المزيد من الإقتراض رغم شروط الدفع القاسية، أنظر الجدول أدناه:

 

القروض الحكومية والخاصة في البلدان النامية بمليارات الدولارات

 

 

Quelle:
Bundeszentrale für politische Bildung

المركز الألماني

للتنمية السياسية

 

 

 

الديون الطويلة الأجل

بمليارات الدولارات

1980

1990

1995

2000

2003

ديون حكومية أو مضمونة حكومياً

325

898

1.117

1.149

1.246

منها:

 

 

 

 

 

قروض حكومية

147

501

678

652

716

قروض خاصة

177

397

439

497

530

 

ديون خاصة غير مضمونة حكومياً

60

56

207

452

432

 

 

Quelle:
Bundeszentrale für politische Bildung 2007

 

وهكذا تتضح معالم صراعات مريرة غير متكافئة تدور بين قوى مالية عملاقة تتسم بالذكاء والتمرس والقوة والإدارة الراقية بالقياس إلى القدرات المالية الضعيفة للبلدان النامية في معركتها ضد التخلف، ويكتنف كل ذلك تعقيدات ومشكلات لا حصر لها، تجعل من تحقيق التقدم في التنمية أمراً شاقاً، وفي مقدمة الوسائل ذات الآثار المدمرة، تقف الديون التي يفترض أن تكون أساساً مكرسة لمساعدة البلدان النامية في التغلب على معوقات التنمية وأبرزها: الحاجة إلى رأس المال لتحقيق مشروعات التنمية وبالتالي التراكم في اقتصادياتها الوطنية، وهو ما سيلجأها إلى الديون ويبقيها رهن الاستراتيجية السياسية والاقتصادية للدول الصناعية المتقدمة، وفي موقف التبعية لها.

 

وتطلق دوائر ومراكز المال وتشاركها جزئياً حكومات الدول الصناعية الكبرى، النداءات من أجل تقليص ديون الدول النامية، وهي ديون قد تم إيفاءها في الواقع من خلال أقسط الدين والديون المركبة عدة مرات، حتى أصيبت الدول الأفريقية بالعجز واقتصادياتها بالشلل، فتأتي هذه النداءات بمثابة منح الجسم الاقتصادي العليل جرعة تقوية ليعاود العمل ودفع بقية الديون، أو إعادة لمسلسل اللعبة من جديد.

 

ونجد اعترافا واضحاً في تقرير عن هذه القضية نشرته صحيفة (كريستيان سيانس مونيتور) الأمريكية: إن إلغاء ديون الدول الأشد، فقرا في العالم سوف يساعدها في توجيه هذه الأموال التي كانت تخصص لسداد فوائد تلك الديون إلى برامج الرعاية الصحية والتعليم وغير ذلك من الأنشطة التنموية، الحقيقة أن كل هذه الدعوات والنداءات من جانب النشطاء السياسيين والمدافعين عن حقوق الإنسان ومكافحة الفقر في العالم كانت مجرد أصوات تتردد في برية العالم الغني بلا أي صدى، ولكن الفترة الأخيرة شهدت تحولاً مهماً في اتجاه هذه القضية حيث بدأت حكومات دول كبرى مثل بريطانيا والولايات المتحدة تتحدث عن ضرورة علاج قضية ديون الدول الأشد فقرا في العالم جذريا، وبالفعل تم وضع هذه القضية على جدول أعمال وزراء مالية مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى وهي الولايات المتحدة وبريطانيا واليابان وكندا وإيطاليا وفرنسا وألمانيا التي عقدت في واشنطن مؤخرا.  

                             
وعلى الرغم من عدم صدور قرارات ملموسة من جانب هؤلاء الوزراء بشأن القضية إلا أن المناقشات أكدت أنها مطروحة بقوة على جدول أعمال الدول الكبرى، ولعل اهتمام إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش بمعالجة هذه القضية ينبع من حملته لإسقاط الديون المستحقة على العراق وقدرها حوالي 120 مليار دولار(تسببت بنفسها في حدوثها) في حين أن ديون أكثر من 30 دولة فقيرة لا تتجاوز مائتي مليار دولار.  

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ثانياً : أزمة الديون في البلدان النامية

 

لا شك أن البلدان النامية بسبب من ضعف هياكلها الاقتصادية، هي أكثر الأطراف الدولية تأثراً بالأزمات والتقلبات الاقتصادية والمالية، ولكن أقلها تأثيراً على مجرى أحداثها وتفاعلاتها البعيدة والقريبة على مسرح العلاقات الدولية، ولهذا الواقع المادي أسبابه وظروفه الذاتية والموضوعية.

 

فمن المعلوم أن البلدان النامية حديثة العهد بالاستقلال السياسي، بل أن معظمها لم يعرف الاستقلال في تاريخه، لذلك فإنها حتى بعد نيلها الاستقلال السياسي من الدول الاستعمارية ظلت مرتبطة بأواصر سياسية واقتصادية وثقافية عديدة إلى مستعمريها السابقين، وواجهتها مشكلات عديدة جعلت من الاستقلال السياسي في العديد من هذه البلدان ليس سوى استقلالاً شكلياً بسبب الضعف الشديد في البنى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

 

لقد طرح الاستقلال السياسي على المستعمرات مهمات عديدة إلا أن أهمها ما نحن بصدده وهو أنجاز الاستقلال الاقتصادي، وإذا كان هذا المصطلح واسع وعريض، فإن المهمة المطروحة واقعياً، هي تقليص حجم التبعية، والمصطلح الأكثر ملائمة لتطور العملية الاقتصادية هو " التنمية ".

 

وترتبط عملية التنمية في البلدان النامية اشد الارتباط بسائر عمليات التطور في الميادين الاجتماعية والسياسية والثقافية في منظمة ذات تأثيرات متبادلة وتفاعلات تفضي إلى مجرى التنمية، إلا أن المعضلات التي واجهتها ومثلت القاسم المشترك الأعظم بينها (البلدان النامية) هي:

 

1.    الحاجة إلى رأس المال.

2.    الحاجة إلى التكنولوجيا (للصناعة والزراعة على حد السواء).

3.    الحاجة إلى الخبرة والمهارة(ضعف الإنتاجية Producteivity Low).

 

وقد أدى افتقار البلدان النامية إلى هذه العناصر الضرورية والحاسمة للتنمية إلى نشوء حالة تبعية شديدة لمستعمريها القدامي، أو للبلدان الرأسمالية الصناعية بصفة عامة، وقادت هذه بالضرورة إلى تبعية سياسية وثقافية إلى حد ما، وجعل كل ذلك من الاستقلال السياسي أمراً شكلياً، فيما واصلت الدول الاستعمارية استغلال شعوب هذه البلدان ونهبها بوسائل متعددة.

 

وفي المرحلة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية حيث برزت القوة المالية والسياسية والعسكرية للولايات المتحدة مقابل انحسار نفوذ ومكانة وهيبة الدول الاستعمارية القديمة وعلى رأسها بريطانيا وفرنسا، دخل الاستعمار مرحلة جديدة تعدى فيها أسلوب النهب المباشر للثروات الطبيعية لشعوب المستعمرات، بسبب التمركز العالي لرأس المال، من جهة، وإعادة تقسيم للنفوذ. وإذ نالت هذه البلدان استقلالها السياسي، إلا أن ذلك لم يؤدي إلا إلى قيام دول شبه مستقلة بسبب تبعيتها الاقتصادية الشديدة للرأسمال العالمي الذي لم يسمح لها إلا بقيام اقتصاد أحادي الجانب قائم أساساً على الاقتصاد المنجمي والزراعي.

 

غير أن الاستمرار في هذه السياسة لم يعد أمراً ممكناً إلى ما لا نهاية بسبب ظروف وعوامل عديدة منها تطور أنظمة الحكم في البلدان النامية وتعمق الوعي لدى شعوبها وأتساع خبرتها بالإضافة إلى عامل آخر وهو دخول الاتحاد السوفيتي والمعسكر الاشتراكي إلى مجال العلاقات الدولية، الذي كان حضوره يتعاظم في البلدان النامية، ولهذه الأسباب وغيرها اضطرت البلدان الرأسمالية الصناعية بالسماح لعملية نقل محدودة للتكنولوجيا، ولكن ماذا كان الجوهر الحقيقي لتلك العملية..؟

 

إن الجوهر الحقيقي لعملية نقل التكنولوجيا إلى البلدان النامية، لم تكن سوى تصدير رأس المال بأساليب شتى، ذات آثار أشد تدميراً من مرحلة الاستعمار، وكانت الديون والسلف و" المساعدات " في مقدمة تلك المؤثرات. وانطلقت فعاليات الشركات المتعددة الجنسية Multi National Cooperation وفعاليات البنوك الدولية وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي IMF والبنك الدولي للتنمية والإعمار IBRD واتحادات البنوك وبيوت المال في البحث عن الاستثمارات في البلدان النامية قبل كل شيء، بهدف تصدير رؤوس الأموال لقاء فوائد غالباً باهظة، كأرباح وتصديرها إلى بلدان المتروبولات(المراكز المالية العملاقة)، بحيث يكون المؤدى والمآل النهائي والحقيقي للعملية برمتها: تعميق تبعية البلدان النامية للبلدان الصناعية، حيث تشير الإحصاءات إلى أن درجة اندماج اقتصاديات الدول المتخلفة في الاقتصاد الرأسمالي في تزايد مستمر وإن ذلك لا يتم في ظروف تغير هيكلي مناسب للدول النامية " بل بالعكس بما يفيد الاحتكارات الدولية في ضوء تقسيم عمل دولي جديد.

 

واتجهت الرأسمالية العالمية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية إلى البلدان النامية وتعاملت معها، كمزرعة خصبة لاستثماراتها، وإذا استثنينا الطبيعة النهابة لدور البنوك وبيوت المال الخاصة (الغير حكومية) فإن أفضل تلك المؤسسات أدت فعالياتها الاقتصادية وشروط عملها قاد إلى تخريب واسع النطاق في اقتصاديات البلدان النامية التي تعاني أصلاً من الضعف، وزادت من عمق الكارثة وآثارها البعيدة والقريبة.

 

فعلى سبيل المثال، فأن البنك الدولي للتنمية والإعمار IBRD والتي تسيطر الولايات المتحدة على إدارته بسبب ضخامة رأس المال المستثمر، يعتمد فلسفة معقدة في تقديمه القروض والمساعدات بحيث لا تؤدي إلى المزيد من ربط الدولة الطالبة للقرض في الاقتصاد الرأسمالي العالمي، وإلى تخريب الاقتصاد الوطني، فهي تطالب على سبيل المثال:

 

1.    ترسخ الاعتماد على قوى السوق وعلى القطاع الخاص.

2.    تشجيع الاستثمار الأجنبي والتأكد من التعامل(الجيد) مع هذه الاستثمارات.

3.    تدعيم مبادئ حرية التجارة ورفض وضع أي قيود على الأسعار.

4.    رفض أي قيود على الواردات وعلى حركة تنقل رأس المال.

5.  معاداة فكرة دعم السلع من قبل الحكومات، والمطالبة باستعادة سعر التكلفة كاملاً مع الربح بالنسبة للمشاريع التي تمولها.

6.    اشتراط التقشف وتخفيض سعر العملات الوطنية وتسديد الديون في مواعيدها.

وتتشابه هذه الشروط مع ما يطلبه صندوق النقد الدولي IMF .

 

بيد أن مأزق البلدان النامية الحقيقي يتمثل في صعوبة الإفلات من دوامة الديون والفوائد المتراكمة، وهي المتضرر الحقيقي من أزمة النظام الرأسمالي العالمي، ويقع على كاهل البلدان النامية تلقى آثار وتبعات التضخم والمنافسة بين الأقطاب الرأسمالية والشراهة المتزايدة للاحتكارات الدولية التي تقلص شيئاً فشيئاً من فرص التنمية.

 

وكانت الإحصائيات الرسمية تشير بقلق أن عدد الدول النامية العاجزة عن تسديد ديونها (منذ عام 1975 وحتى عام 1983) قد بلغ (28) دولة، وبلغ إجمالي الديون الخارجية للدول النامية حتى أوائل 1986، 865 مليار دولار، منها:

 

45% في أميركا اللاتينية.

26% في الأقطار الآسيوية.

10% في الأقطار الأفريقية.

10% في أقطار الشرق الأوسط بضمنها العربية.

 

وقد مثل الدين الخارجي حوالي 38% من الناتج المحلي للبلدان النامية كمعدل عام. وكدليل على النتائج الكارثية لسياسة الديون، فقد انخفضت النمو (كمعدل عام) إلى 6،2% عام 1984 بعد أن كانت قد سجلت أرقاماً قياسية بلغت 28% للفترة في 1970 ـ 1979.

 

وقد تراكمت هذه الديون الضخمة على قرابة 58 دولة من الدول النامية فتضاعفت من 600 مليون دولار عام 1980م إلى 2.2 تريليون دولار في عام 2005 (وفق تقرير صندوق النقد الدولي IMF)، حتى غدا تسديد هذه الدول لديونها أقرب للمستحيل، أو أن تسدد ما يسمى بخدمة هذه الديون، على الرغم من أنها (الدول المدينة) تدفع تحت هذا الاسم يومياً قرابة 700 مليون دولار أي ما يعادل 500 ألف دولار في الدقيقة.

 

لقد أدى تفاقم أزمة الديون إلى أن تصبح أحدى العوائق الرئيسية التي تقف بوجه تنمية البلدان النامية وعنصراً يقلص من مساحة الخيارات في القرار السياسي لتلك الدول على الصعيد الخارجي ناهيك عن تأثيراتها السياسية والاجتماعية على الصعيد الداخلي، إذ أصبحت حقاً إحدى العوائق الرئيسية التي تقف بوجه التنمية إن لم نقل أنه العائق الأول فعلاً .

 

كما أدى تراكم الديون وارتفاع أسعار الفائدة والأرباح المصدرة إلى بلدان المصدر، والعجز على تسديد خدمة الدين (القسط + الفائدة) إلى ظاهرة محبطة للآمال بالتقدم، بأن تلجأ الدول المستدينة إلى الاستدانة مجدداً من أجل إيفاء الأقساط، وتدارك حاجات السكان الأساسية، مما يؤدي إلى تراكم الدين وتراكم الفائدة المركبة إلى العجز، بل أن هناك دولاً عديدة في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية قد سددت ديونها أضعافاً مضاعفة، وما تزال تسدد أصل مبلغ الدين المقترض.

 

وقد قادت حقبة السبعينات والثمانينات إلى تراكم الديون وفوائدها حتى أضحت في العقدين المقبلين من أزمات الاقتصاد الدولي، لتصبح مع مطلع الألفية الثالثة واحدة من أبرز سمات السياسة والاقتصاد الدولي ومؤشراته، فقد تزايد على سبيل المثال سعر الفائدة كمعدل عام للديون في الأقطار النامية المتوسطة الدخل من 6،3% عام 1980 إلى 10،2% عام 1983، كما انخفظت مرحلة السداد من 17 عام إلى 12 سنة لنفس المدة.

 

ويعني ذلك، أن ارتفاع سعر الفائدة بالإضافة إلى تقصير فترة السداد قد أدى إلى زيادة كبيرة في حجم خدمة الدين، وبالفعل فإن إجمالي خدمة الدين في البلدان النامية قد تصاعد بشكل مثير للقلق حقاً (لاحظ الجدول التالي).

 

السنة                   مقدار خدمة الدين

 

1981                                                                          111،9 مليار دولار

1982                                                                          123،9 مليار دولار

1985                        134،5  مليار دولار

 

وبسبب تدهور الاقتصاديات الوطنية، اندفعت البلدان النامية نحو الاستدانة الخارجية للتعويض عن النقص الحاد في مدخراتها الوطنية غير القادرة على تأمين مستلزمات التنمية الاقتصادية. ووفقاً لإحصائيات البنك الدولي فإن البلدان المدينة قد سددت في الفترة الواقعة بين عام 1980 و2001 أكثر من4500 بليون دولار ولكن نمت مديونية هذه البلدان أربعة أضعاف ديونها فارتفعت من 600 بليون دولار عام 1980 الى2500 بليون دولار في عام 2001

                                                                    .

ويقدر خبراء الاقتصاد الدولي أن ديون أي دولة تبلغ مرحلة محرجة إذا ما تجاوزت 30 ـ 30% من قيمة صادراتها الدولية. ويشير الجدول التالي إلى إجمالي الموقف في البلدان النامية قياساً إلى صادراتها السنوية.

 

السنة                  النسبة المئوية

 

1960                  48%

1970                 132%

1984                 151%

 

وفي الحقيقة أدى تصاعد ديون البلدان النامية إلى خلق معضلة يصعب حلها، فالمزيد من الديون لا تؤدي إلا إلى الغوص في المزيد من المتاعب، ويشير الجدول التالي إلى تصاعد حجم ديون البلدان النامية.

 

السنة        مليار دولار

 

1979                                         470،9 مليار دولار.

1980                                         575،5

1981                                         660،5

1982                                         747،0

1983                                         790،7

1984                                         827،7

1985                                         865،3

 

وتشير إحصائيات "المعهد الدولي للديمقراطية الاقتصادية " الأميركي إلى أن ديون الدول النامية زادت من 100 مليار دولار عام 1973 إلى 7،1 تريليون دولار عام 1999 و5،2 تريليون دولار عام 2003 .  

                                                            .
ويشير المعهد على موقعه الإلكتروني انه " مع تراجع القيمة الفعلية للمواد الأولية (في الدول النامية) بحوالي 60 % في السنوات الأربعين الماضية والتي لا تزال تتراجع، فانه من الواضح إن الديون لن يكون من الممكن سدادها". 

أعلى النموذج

أسفل النموذج

                                           

ولم تؤدي مجموعة هذه السياسات للدول الصناعية الكبرى إلا إلى المزيد من إغراق البلدان النامية في المشاكل المعقدة وتفاقم الأزمات السياسية والاجتماعية فيها، وإلى المزيد من تبعيتها إلى الدول الصناعية الكبرى. وقد أكد رئيس الوزراء الماليزي عبد الله احمد بدوي أن ديون الدول النامية " أصبحت مشكلة خطيرة جدا ولا بد من إيجاد حل لهان لأنها تعرقل التنمية" في دول الجنوب الفقيرة التي لم تعد قادرة على سداد ديونها المتراكمة، وأضاف مشخصاً الأزمة بوضوح: أن الدول المديونة " أصبحت تواجه مشاكل مضاعفة لأنها لا تستطيع أن تدفع الديون وتحتاج في الوقت نفسه إلى أموال لتصرف على التنمية» وليس أمامها من حل إلا المزيد من الاقتراض لتستمر في حلقة مفرغة ويتواصل تراكم الديون.                                                    

 

ولكن أزمة الديون تجاوزت حدود المناقشات في القاعات المغلقة، عندما أعلنت المكسيك في صيف عام 1982عجزها عن الوفاء بديونها البالغة 92 مليار دولار ولحقت بها دول أخرى كالأرجنتين والبرازيل وطالبت مجموعه من الدول بإعادة جدولة ديونها وتخفيض مديونيتها وإعفائها من الفوائد المترتبة على الديون.

                                                                                  

فالديون والمساعدات لم تكن إذن سوى فقرة في سياسة نهب جديدة للمستعمرات السابقة، ولدينا العديد من الأمثلة على ذلك، والاحتكارات الدولية لم تكن تهدف حتى في إطار سياسة تصدير رأس المال والتكنولوجيا إلى البلدان النامية إلى بناء هياكل حقيقية للاقتصاد الوطني بقدر ما كانت تصديراً لصناعات لم تعد ملائمة للبلدان الصناعية المتقدمة، ومن تلك:

 

1.    الصناعات التي تتطلب قوة عمل كثيفة(الأغذية النسيج، الأحذية، الراديو والتلفزيون..الخ)

2.    صناعات ملوثة للبيئة بصورة كثيفة (الجلود ـ الورق ـ البتروكيميائيات).

 

3.  صناعات كثيفة الرأسمال ولكنها مستهلكة كثيفة للطاقة مثل صناعات الحديد والصلب والألمنيوم بواسطة شركات المتعددة الجنسية مع أبقاء الحلقات المتقدمة بيدها.

4.    صناعات بسيطة تكنولوجياً (تكرير البترول، إسالة الغاز الطبيعي، الأسمدة الكيمياوية)

5.    بعض صناعات قطع الغيار.

6.    تجميع السيارات.

7.    صناعات منخفضة الربح مثل التعدين.

 

في حين أبقت الدول الصناعية المتقدمة على الفقرات الاستراتيجية باهضة أثمان منتجاتها، وذات الأفق المستقبلي مثل:

1.    الإلكترونيات المتقدمة (المايكرو الكتروتكنيك).

2.    صناعة أجهزة الاتصالات المعقدة.

3.    أجهزة السيطرة والاتصالات كاملة الأتمتة Fullautomat.

4.    صناعة بدائل الطاقة.

5.    الصناعات البيولوجية والهندسة الوراثية.

6.    صناعة الفضاء والأقمار الصناعية.

 

ولا تلاقي مساعي البلدان النامية التشجيع في الخلاص من الأزمة المستحكمة، والتي تلقي بضلالها القاتمة على الحياة السياسية والاجتماعية، من أجل تنمية مواردها وقدراتها أما الجشع الذي لا حدود له أو نهاية.

 

ولم تجد مجهودات الأمم المتحدة ومؤتمرات الشمال والجنوب وغيرها فتيلاً في وضع حد للهوة التي تتزايد عمقاً رغم أنها قد أشارت بشكل واضح إلى نقاط الخلل في العلاقة بين البلدان النامية والدول الصناعية الكبرى، كما لم تساهم المقررات مؤتمرات عدم الانحياز والوحدة الأفريقية في وضع حل للأزمة التي اتخذت طابع التفاقم.

 

فعلى سبيل المثال، فإن دول أمريكا اللاتينية التي تعاني هي الأخرى كما أوضحنا في الجداول من وطأة الديون، ومن تبعية اقتصادياتها الوطنية الشديدة لاقتصاد الدول الصناعية، فإن بلدان القارة بالإضافة إلى المكسيك، تمر بظروف اقتصادية ـ سياسية قاسية خلفت آثار عميقة على الأوضاع الداخلية في تلك البلدان مثل: البرازيل والمكسيك والأرجنتين وفنزويلا، وتعيث فيها الأنظمة الديكتاتورية فساداً، وقد شهدت بلدان القارة حركات العنف السياسي وحركة المطالبة بالإصلاح والديمقراطية، فقد بلغت ديون القارة حتى آذار/ 1989 (500 مليار دولار) دفعت منها دول أميركا اللاتينية 45 مليار دولار فوائد عام 1988 إضافة إلى الاستحقاقات السنوية التي حان موعدها والتي تشكل 60 ـ 70% من إيرادات صادراتها التي واجهت هي الأخرى انخفاظاً بمعدل 35% عن السنوات الماضية بسبب تدني أسعار المواد الخام في السوق العالمية التي تسيطر عليها الشركات المتعددة الجنسية.

 

تحول رأس المال نفسه (النقد السائل) من وظائفه التقليدية كمخزن للقيمة ووسيط للتبادل إلى سلعة تباع وتشترى في الأسواق (تجارة النقود)، حيث يدور في أسواق العالم ما يزيد على 100 تريليون دولار (100 ألف مليار) يضمها ما يقرب من 800 صندوق استثمار، ويتم التعامل يوميًّا في ما يقرب من 1500 مليار دولار (أي أكثر من مرتين ونصف قدر الناتج القومي العربي) دون ضوابط، وهو ما أدى إلى زيادة درجة الاضطراب والفوضى في الأسواق المالية، وأعطى لرأس المال قوة لفرض شروطه على الدول للحصول على أقصى ما يمكن من امتيازات له. وقد أدى هذا كله إلى زيادة التضخم نتيجة لزيادة قيمة النقود.

 

وكانت ديون أربعة دول فقط قد بلغت وهي المكسيك والبرازيل وفنزويلا والأرجنتين لوحدها 320 مليار دولار، وهذه الدول الأربعة دفعت فوائد خلال عام 1988 بلغت حوالي 29 مليار دولار في حين أنها لم تستلم أكثر من 3 مليار دور كديون جديدة، بالرغم من أن الاتفاقيات السابقة التي تم التوصل إليها لتنشيط اقتصاد هذه الدول بموجب خطة بيكر(وزير خارجية الولايات المتحدة الأسبق) ومفاوضات نادي باريس وغيره، ويؤدي زيادة الفوائد وتراكمها بروز حقيقة أن 90% من الديون الحالية ما هي إلا فوائد، وأن الديون الحقيقية قد تم دفعها.

 

ولكن مشكلة الديون لها طابعها المتفاقم، بحسب طبيعتها، لذلك فقد مثلت مشكلة ديون الدول النامية إحدى النقاط الأساسية على جدول أعمال قمة الدوحة.


ويقول أحد خبراء الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (ايفاد) " أن مجموعة 77 والصين التي تتكون من 132 دولة، الكثير منها بين أفقر دول العالم، تشكل 80 % من سكان الأرض،
وأن2.1 مليار من هؤلاء يكسبون اقل من دولار واحد في اليوم في حين يكسب ثلاثة مليارات بشر اقل من دولارين يوميا".

وجدير بالذكر أن مجموعة 77 تمثل 80 % من سكان العالم غير أن ناتجها الإجمالي لا يمثل إلا 40 % من الناتج الإجمالي العالمي، ويعيش ثلثا سكان الدول النامية في الريف الذي عادة ما تتجاهله سياسيات التنمية.   

                                                                                                                      

ويستمر التنافس بين المراكز الصناعية العظمى في البلدان النامية ويستعر بالرغم من الأحوال المزرية التي تعيشها هذه البلدان التي تصل إلى حد المجاعات في بعض البلدان، إلا أن الأزمة قد فاقت الحدود المعقولة وباتت تنذر بالخطر والعجز عن المساهمة في التجارة الدولية، والمأزق هو أن هذه الأسواق عاجزة عن شراء السلع والبضائع بسبب العجز في التسديد والشراء وهذا هو أحد الأسباب في الأزمة الرأسمالية.

 

وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن مساعدة الدول الغنية لدول الجنوب لا تزيد عن 0.2 % من ناتجها الإجمالي. فيما يعيش  مليار شخص في دول الجنوب يعيشون تحت خط الفقر، وتشير مصادر مؤتمر الدوحة، أن 50 % من أفقر دول العالم هي من أعضاء مجموعة 77، وان 34 منها توجد في أفريقيا .                                                           .

 

ولا تستقر أرقام الديون في العالم الثالث إذ أن طابعها العام تفاقمي متصاعد، لذلك تحفل المصادر المتعلقة بالديون والأوضاع المالية للبلدان النامية بأرقام تصيب باليأس حتى أكثر المتفائلين، وما مطلوب هو توجه حقيقي لتنمية الدول الأكثر فقراً، بمنظومة تنموية اجتماعية / ثقافية إلى جانب الشؤون الاقتصادية.

 

وتتنافس اليوم المتروبولات الرأسمالية في التصرف حيال هذه المشكلة، وتعتقد بريطانيا وأوربا أن آسيا وأفريقيا هما مجالان تقليديان لنشاطهما بحكم كونهما مطلعتان بدقة على أوضاع هذه البلدان وهي مستعمراتها السابقة. فبريطانيا تحاول أن تنشط في الكومنولث وفرنسا في الدول الأفريقية الناطقة بالفرنسية (الفرانكفونية) كما أنها تحاول أن تنشط في إطار الاتحاد الأوربي أو من خلال مبادرات فردية.

 

أما الولايات المتحدة فما زالت تعتبر أن أمريكا الوسطى والجنوبية هي ميدان عملها ونشاطها الرئيسي، ويؤكد ذلك فعالياتها العسكرية بغزو غرينادا وبنما وفعاليات عسكرية ضد نيكاراغوا، ومن خلال الأحلاف والاتفاقيات السياسية والاقتصادية والعسكرية تراعي مصلحة الولايات المتحدة بالدرجة الأولى، بحيث تجعل من تلك البلدان سوقاً لشركاتها العملاقة.

 

أما اليابان فتنشط في دول جنوب شرقي آسيا بدرجة رئيسية في إطار خلق وسط اقتصادي / صناعي تابع لأحتكاراتها العملاقة ولا سيما في تايوان وكوريا الجنوبية وسنغافورة وغيرها، بالإضافة إلى نشاط البنوك اليابانية في العالم بما في ذلك الدول الرأسمالية الكبرى في أوربا والولايات المتحدة.

 

وتؤشر ملامح المرحلة المقبلة، أن العالم سيشهد تعدد الأقطاب الرأسمالية، بل أن هناك أقطاب اقتصادية في طور التكون البطيء ولكن الواعد، وسيعقب ذلك تنافساً شديداً ستشهده العلاقات السياسية والاقتصادية الدولية، ولهذا التنافس ميادينه وصفحاته المتعددة، إلا أن البلدان النامية ستكون إحدى هذه الميادين، وأن جزءاً من حل الأزمة التي تمر بها الرأسمالية(بظواهرها المختلفة) يكمن في مساعي إعادة تقسيم (وهي ما تنجم عادة بعد الحروب النزاعات) وفي محاولات التنسيق فيما بينها، ولكن مع بروز ظاهرة المحاور والتكتلات، ولكن الجزء الأكبر من ميادين التنافس ستكون في البلدان النامية، وسينجم عن ذلك المزيد من تدهور مكانتها السياسية والاقتصادية، والمزيد من الاستغلال وذلك عبر:

 

1.    زيادة أسعار السلع والبضائع المصدرة إلى البلدان النامية ولا سيما الغذائية.

2.  الاعتماد أكثر فأكثر على العمالة القادمة من البلدان النامية التي تمتاز بقلة الأجور، وسهولها طردها عند انتفاء الحاجة إليها.

3.  الاستثمار المباشر وغير المباشر في بعض الصناعات مثل الحديد والصلب، الصناعات البتروكمياوية، أو الألمنيوم...الخ

 

وستعمد المراكز الصناعية إلى تنشيط اقتصاديات بعض الدول وتهيئة خصائص النمو فيها على نمط تكاملي معها، وقد تبتكر تلك المراكز أساليب عمل جديدة. وبعبارة أخرى، فإن البلدان النامية ستشهد تنافساً بين المراكز الصناعية، وأن تقسيماً دولياً جديداً للعالم في طريقه إلى التبلور بين المتربولات الصناعية الثلاثة: أوربا، الولايات المتحدة(وقد حسمت اليابان فيما يبدو التحاقها بالولايات المتحدة)، الصين، وقد يؤدي هذا التناقض في مراحله اللاحقة إلى تناقضات عميقة بين هذه المراكز.

 

 وبطبيعة الحال لا ينبغي لنا أن نتجاهل قدرات القوى الصاعدة أو التعويل عليها لتعديل موقف البلدان النامية في الاقتصاد الدولي، فالاقتصاديات الناشئة ستحاول هي الأخرى إحراز مواقع لها، والخاسر أيضاً البلدان النامية التي سيتعين عليها شق طريقها بين الاقتصاديات العملاقة، ولكن التنافس قد يتيح فرصاً مغلقة.

 

وغني عن القول أن مسيرة البلدان النامية في التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي إنما هي عملية متلاحمة الأطراف ولا تخلو من التعقيد وتكتنفها صعوبات ومشكلات متشعبة، إلا أن هناك حقيقة مؤكدة، هي أن ثراء البلدان الرأسمالية ما هو إلا نتيجة لعملية نهب واستغلال طويلة المدى خلال العهود الاستعمارية، ثم تواصل هذا الاستغلال بعد أن نالت هذه البلدان الاستقلال السياسي، ومهما كانت درجة تخلف البلدان النامية، إلا أن مراحل التقدم ما زالت متاحة أمامها رغم الصعوبات الموضوعية والمشكلات الشائكة.

 

ولكن لا بد من الإقرار أيضاً أن العديد من البلدان النامية قد حققت تقدماً لا يستهان به في تشخيص الآفات الحقيقية نتيجة وعي شعوب هذه البلدان وأنظمتها الوطنية ويدل على ذلك وثائق مؤتمرات عدم الانحياز ومنظمة الوحدة الأفريقية والجامعة العربية ومنظمات إقليمية عديدة.

ويتعين على الدول النامية بذل المساعي الدبلوماسية دون هوادة من أجل تحسين مكانتها في الاقتصاد الدولي وفي مقدمة ما ينبغي التركيز عليه هو شطب الديون أو تقليصها أو تحويل جزء منها إلى استثمارات في هذه الدول من دون اشتراطات سياسية ودون إثقال كاهل دول الجنوب بمزيد من الأعباء المالية، وبمشاركة أوسع لدول الجنوب في المؤسسات المالية الدولية وثانيا بإعادة النظر في بعض آليات هذه المؤسسات المالية العالمية. كما تدرس قمة مجموعة 77 والصين (كمثال للأنشطة الدبلوماسية) أيضا موضوع إصلاح منظمة الأمم المتحدة وتوسيع مجلس الأمن والمطالبة برفع العقوبات المفروضة على عدد من أعضائها لدواع سياسية.

وتستخدم حكومات الدول الصناعية المتقدمة (سياسة) إسقاط الديون كوسيلة ضغط على حكومات البلدان المدينة وتعبيراً عن (الرضا) وعلاوة على ذلك فإن إسقاط الديون عن الدول الأشد فقرا في العالم لن يحل مشاكلها، فهذه الدول تعتمد على دول العالم الغنية في توفير جزء كبير من احتياجاتها الاقتصادية. وتصل القروض والمساعدات الخارجية لبعض الدول الأشد فقرا في العالم وبخاصة في إفريقيا إلى حوالي ثلثي ميزانية هذه الدول.

 

ومع أنه ما زال المبكر القول أو التكهن بقدرات البلدان النامية وإمكانية أن تلعب دوراً مؤثراً في الحياة الاقتصادية الدولية، إلا أن من المؤكد أن التراكم في الوعي والخبرة وفي تنمية ثرواتها الوطنية سيؤدي إن عاجلاً أو آجلاً إلى تنامي قدراتها الاقتصادية والسياسية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ثالثاً : دور القروض و(المساعدات) في اقتصاد الدول النامية

 

 

تمثل سياسة القروض و(المساعدات) جانباً مهماً في السياسة الاقتصادية للبلدان الرأسمالية حيال البلدان النامية ومنها أقطار الشرق الأوسط، كما أن سياسة القروض مثلت على الدوام جانباً مهماً في سياسة السيطرة والهيمنة على السياسة الخارجية والاقتصاديات الوطنية للبلدان النامية.

 

والديون في الاقتصاد الرأسمالي هي شكل مرن من أشكال تسليف رأس المال، ومن أبرز أشكاله هو التسليف التجاري، وقروض البنوك، وأيضاً قروض الدولة.

ومن أبرز وظائفه ومهماته:

 

1.    إعادة تقسيم رأس المال.

2.    تمركز وتركيز الإنتاج ورأس المال(تطوير القوى العاملة، تكوين صناعيين جدد وكبار).

3.    استغلال بلدان أخرى.

 

ومنذ نهاية الحرب العالمية الأولى وتزايد ذلك بعد الحرب العالمية الثانية، أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية المصدر الأكبر لرأس المال في العالم، وابتدأت بذلك في أوربا، ومن ثم اتسعت نشاطاتها إلى بلدان العالم الثالث، ثم إلى الشرق الأوسط.وتختلف سياسة القروض التي أتبعتها الولايات المتحدة حيال أوربا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية بشك جوهري حيال أقطار الشرق الأوسط أو الأقطار النامية بصفة عامة، من حيث الأرباح الفاحشة وربطها بشروط سياسية وتوجهات عنصرية تهدف في النهاية إلى خدمة الاستراتيجية الشاملة سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.

 

إن أهداف السياسة الخارجية والسياسة الاقتصادية الأمريكية إنما هي في خدمة النظام الرأسمالي وضرب حركات ونظم التحرر الوطني والاستحواذ على أسواق البلدان النامية، وقد ابتدأت الولايات المتحدة هذه السياسة بعيد الحرب العالمية الثانية (مشروع مارشال، برنامج الفائدة المتبادلة، القانون رقم 480).

 

ومن خلال أسلوب الديون(بصفة خاصة: الكم والشكل والتقسيم) سيكون واضحاً أن تصدير رأس المال في السياسة الأمريكية في السيطرة على البلدان النامية ولمصلحة الاحتكارات، ولا سيما لرأس المال المالي (المصرفي) الأمريكي، كانت في الشرق الأوسط تسعى إلى الأهداف التالية:

1.    خلق قاعدة لاستثمارات رأس المال الخاص التي ستكون الثغرة لتسلل الاستثمارات الاحتكارية.

2.  الانتشار في المجتمعات العربية، ومن خلال ذلك، السيطرة على السياسة والاقتصاد في بعض الأقطار بقصد التأثير على هيكلية البناء السياسي والاجتماعي فيها.

 

وكقاعدة عامة، إن الذين ينالون الديون الأمريكية يواجهون بشروط سياسية غير عادلة، عدا الربحية العالية الذي تسعى لتأمينه، وتضع من خلاله الدولة المدينة في موقف صعب، تسعى من خلاله لفرض وجهات نظرها السياسية والاقتصادية، بمعنى أن سياسة القروض الأمريكية هي في خدمة الاستراتيجية الشاملة المحيطية بصورة تامة. وتضع الدول الدائنة مثل هذه الشروط لديونها:

 

1. بيع إرغامي لسلع وبضائع يعود منشأها إلى الدولة الدائنة.

2. بيع منتجات وسلع من صادراتها.

3. شحن البضائع على وسائط نقل ومواصلات تابعة لها.

4. بيع البضائع والسلع أغلى بنسبة 20% عن الأسعار العالمية، وذلك يمثل قدرة مضافة لاستثمار رأس المال، وتلك سياسة موجهة إلى البلدان المدينة، وتتيح التدخل في السياسة الاقتصادية وحماية الاستثمارات الأجنبية وتشجيع لقطاعات محلية معينة لتكون عوناً لها.

    5. تنص قوانين العلاقات الرأسمالية، أنه كلما زادت حاجة طرف إلى القرض، ارتفعت

       بالمقابل شروط منح القروض.

    6. في حالة حدوث صعوبات في رد الدين من قبل المدين(أو الدولة) لا توافق الدولة

       المدينة على تغير شروط الدين وما يتبع ذلك من ديون جديدة للدول المدينة أو عليها

       أن تتحمل الشروط السياسية للديون.

 

وفي تحليل لهذه الفقرات، تتضح النوايا التوسعية للقروض والدول الدائنة في سياسة القروض حيال البلدان النامية، وهي شروط لا تتفق مع مصالح البلدان المدينة في التغلب على مشكلاتها الاقتصادية، بل هي في الغالب تضيف متاعب ومشاكل جديدة، بسبب شروطها وأتباع سياسة الهيمنة في إغراق البلدان النامية في أشكال متعددة من الديون والقروض، وسيكون من الصعوبة بمكان القدرة على تسديد تلك الديون، وفي العادة، فإن تلك البلدان ستكون مضطرة إلى الاستدانة مجدداً، ومن البديهي أن ذلك يعني خلق صعوبات جديدة أما مهمات تعميق الاستقلال السياسي والاقتصادي، بل ستؤدي إلى تعميق التبعية للاقتصاد العالمي.

 

وفيما يلي بعض الأمثلة التي أتبعتها الولايات المتحدة في الخمسينات في إطار الدعم الاقتصادي الذي تقدمت به إلى الحكومة اللبنانية في مارس / 1961 بتقديم قرض قدره 50 مليون دولار لشراء القمح الأمريكي بالشروط التالية:

 

1.    فائدة سنوية مقدارها 3،8%.

2.    شراء القمح من الولايات المتحدة حصراً.

3.    تحويل كميات القمح سنوياً إلى لبنان وعلى وسائط نقل أمريكية.

4.    في حالة الإخلال بهذه الشروط، ينبغي على لبنان أخذ موافقة الحكومة الأمريكية سلفاً.

 

وبناء على حملة الاستياء الشعبي وضغط القوى الوطنية اللبنانية، رفضت الحكومة اللبنانية هذه الشروط التي هي مثال للقروض الأمريكية.

وفي تحليل هذه الشروط نلاحظ النقاط التالية ذات الطابع الاستغلالي:

·        الربح المتحقق من خلال الفائدة السنوية.

·        السيطرة على السوق المحلية من خلال تصدير القمح والمواد الغذائية الأخرى.

·        الضغط السياسي والاقتصادي والتدخل في الشؤون الداخلية.

·        سيطرة الولايات المتحدة على جزء من الموقف الغذائي.

·        الربح المتحقق لوسائط النقل الأمريكية.

 

ومثال آخر على طبيعة القروض الحكومية:

استخدمت الولايات المتحدة القروض كأداة ضغط سياسية على الحكومة المصرية المناهضة للغرب لتمويل مشروع بناء السد العالي، كما قطعت الولايات المتحدة قرضاً لمصر يستخدم لشراء القمح عندما قامت مصر بدعم ثورة اليمن عام 1962.

 

وتضم سياسة القروض الأمريكية باختلاف أشكالها منظومة من الأهداف: استغلال العجز المتنامي في اقتصاد البلدان النامية وعجزها عن سداد ديونها وإبقاءها في حالة التبعية وقد أرغمت اتجاهات التنمية البلدان النامية في أعوام الخمسينات والستينات اللجوء إلى الديون، وقد أعلن ج، وود (G, Wood)الرئيس السابق للبنك الدولي للتنمية والإعمار IBRD عام 1956 أن ديون البلدان النامية تقدر بحوالي 10 مليار دولار تصاعدت عام 1966 إلى 33 مليار دولار ثم تصاعدت عام 1969 إلى 60 مليار دولار، وإحصائيات هذا البنك تؤكد أن البلدان النامية تحصل على 20% من احتياجاتها من العملات الصعبة من الديون.

 

وتثبت الإحصاءات الحديثة أن ما يسمى ب " المساعدات " إنما هو ضرب من ضروب تصدير رأس المال ولكن أقل نسبياً من ألأشكال الأخرى للتصدير رأس المال الذي يمثل فقرة رئيسية في النشاط الرأسمالي، تخدم في نهاية المطاف مصلحة بيوت المال والمؤسسات الرأسمالية المتطورة.

 

وفي إحصائيات O.E.C.D نلاحظ أن " مساعدات " الولايات المتحدة إلى البلدان النامية في أعوام السبعينات بدأ بالانخفاض بالنسبة إلى دخلها القومي، لاحظ الجدول الذي يشير إلى المساعدات بالنسبة المئوية للدخل القومي الأمريكي.

 

السنوات  :         1970        1976           1977

 النسبة %:         0،031       0،025          0،022

 

وعلى الرغم من أن الإحصاءات تقدم لنا " المساعدات الأمريكية " قد بلغت 4،12 مليار دولار عام 1970 ـ 1977، ولكن ذلك لم يحل دون أن تقع العديد من البلدان النامية (ومنها بلدان الشرق الأوسط) في فخ الديون القاسية.

لاحظ الجدول أدناه إحصائيات IBRD لعام 1979.

 

إحصائيات ديون الأقطار العربية بملايين الدولارات عام 1979

 

الدولة

الدين

الدولة

الدين

الصومال

401

الأردن

645

موريتانيا

457

تونس

1943

السودان

1732

سورية

1528

مصر

8099

الجزائر

8156

اليمن جنوب

291

لبنان

39

اليمن شمال

147

العراق

761

المغرب

3469

المجموع

17677

المصدر: إحصاءات البنك الدولي للتنمية والإعمار IBRD في مجلة الوطن العربي باريس 1979.

 

وتؤدي مجمل السياسات التي تمارسها الدول المقدمة للقروض إلى تشجيع القروض. وبحسب معطيات منظمة الأونكتاد UNCTAD في المؤتمر الرابع في مانيلا أيار / 1979، أن إجمالي ديون البلدان النامية قد بلغ حوالي 300 مليار دولار، وفي هذا المؤتمر سعت البلدان الصناعية الرأسمالية إلى إجراء تعديل على هيكل العلاقات الاقتصادية الدولية وإصلاح النظام النقدي، وذلك يعني " فتح طريق جديد من أجل المزيد من القروض للبلدان النامية".

 

وقد تصاعد نسبة لجوء البلدان النامية إلى القروض التجارية التي تقدم بفوائد عالية قد تصل إلى 56% ، إلى نسبة عالية بلغت 48% من مجمل ديونها، لتشكل مع سائر الديون الأخرى نسباً كبيرة من الدخل القومي للبلدان المدينة.

 

ففي مصر على سبيل المثال تكلف القروض 540 مليون دولار كفوائد سنوية(أواسط السبعينات) فيما يبلغ إجمالي الديون المصرية إلى 4،620 مليون جنيه مصري، وهنا يبدو واضحاً أن الديون الخاصة الأمريكية لمصر قد ارتفعت بالنسبة إلى القروض الحكومية.

 

وبحسب بيانات البنك المركزي المصري عام 1978، فإن الديون الحكومية لمصر تصل إلى 26 مليون جنيه، بينما تبلغ ودائعها في الولايات المتحدة وفروعها الأوربية 160 مليون جنيه، وقد تصاعد عدد البنوك في مصر بشكل يتناسب مع السياسة المصرية / الأمريكية في عام 1977 / 1979 من 8 بنوك إلى 36 بنكاً.

 

وهذه الظواهر في الاقتصاد المصري لا يمكن إيضاحها دون الإشارة إلى سياسة الانفتاح المصرية، والفعاليات الاقتصادية الأمريكية وتصاعد حجم التجارة الخارجية بين مصر الولايات المتحدة من 8،7% (48 مليون دولار) من مجموع التجارة المصرية عام 1971 إلى  27% (804 مليون دولار) عام 1976.

ويمكن تفسير هذه الظواهر الاقتصادية بالتطورات السياسية في إعادة العلاقات الدبلوماسية بين مصر والولايات المتحدة عام 1973 والتي توجت بأتفاقية كمب ديفيد.

 

وهناك مثال آخر: السودان.

بلغت الديون السودانية الخارجية عام 1977 أكثر من 37% من مجموع الدخل القومي السوداني، وتلتزم الدولة بدفع أقساط تبلغ 30% من واردات الصادرات، وتعمق أزمة الديون مأزق التنمية في هذه البلاد.(15)

ولا يتوقف دولاب الديون، بل أن الديون تقود لديون جديدة، فيما يتراكم خدمة الدين لتلتهم النسبة المطلوبة للتنمية، ومعها تتلاشى فرص تحقيق التقدم. لاحظ الجدول التالي:

 

السنوات

الفوائد

الأقساط

إجمالي المدفوعات

معدل خدمات الديون الخارجية

% من الصادرات

% من الناتج القومي الإجمالي

1984

1608

1467

3075

22.8

10.8

1985

1452

1530

2982

22.5

9.5

1986

1549

1198

2747

24.9

10.0

1987

876

540

1416

15.9

5.0

1988

1033

781

1814

15.1

5.3

1989*

1364

1466

2830

24.4

7.6

* مقدرة

المصدر: البنك الدولي - جداول الديون العالمية 89/1990، الديون الخارجية للدول النامية، واشنطن، دي، سي، 1990، الملحق الأول، ص 92، 93 (باللغة الإنكليزية)

 

ويشير تقرير أحدث إلى أن إجمالي الديون الخارجية للمنطقة قد ارتفع إلى 218 بليون دولار أمريكي في عام 2003 مقابل 204 بلايين دولار أمريكي في عام 2002، على الرغم من حصول 23 بلداً على إجمالي تخفيفٍ من خدمات الديون تبلغ قيمته حوالي 43 بليون دولار. وتنوه مطبوعة مؤشرات التنمية في أفريقيا إلى أن زيادة تخفيف أعباء الديون التي تحققت قد جاءت في وقت كانت فيه " النفقات المتحيزة لصالح الفقراء قد بدأت في الازدياد في معظم هذه البلدان."

 

تظهر هذه المعطيات أن سياسة القروض الرأسمالية ولا سيما الأمريكية، إنما تقود إلى طريق واحد، هو طريق جني المزيد من الأرباح لمصالح الاحتكارات، وإلى مزيد من التبعية لفعالياتها، ومقابل ذلك تطرح الحقائق أيضاً أن الأقطار النامية وبضمنها أقطار الشرق الأوسط، أنها لم تحرز تقدماً في إجراء تقدماً من جراء هذه القروض، وتعرض منظمة الأونكتاد UNCTAD إن هذه القروض تقدم بشروط غير مناسبة، كما أنها تعمل بموجب نظام النقد الرأسمالي العالمي، ولكن ذلك لا يخفف من مسؤولية البلدان النامية من ضرورة تعميق التحولات الاجتماعية وتحقيق التقدم الاجتماعي والاقتصادي في بلدانها.

 

ويعلمنا التاريخ، أن هذه المساعدات والدعم أصبحت واضحة الأهداف لا سيما في المرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية وبداية الخمسينات، وقد أصبح الأمر أكثر وضوحاً بعدما استلمت الولايات المتحدة الدور القيادي في العالم الرأسمالي وسعيها في استخدام وسائل وأساليب حديثة في السياسة الأمريكية، وإن النهب المنظم للمستعمرات السابقة (البلدان النامية) يتم تحت شعارات وأغطية (المساعدات ـ برامج التنمية) وعبر وسائل ذكية وسياسة استعمارية حديثة.

 

وفي ملاحظة هذه " أن قوانين الرأسمالية لا تقدم سوى الديون و"المساعدات غير المفيدة" التي لها مهمات غير حميدة في إطار سياستها تجاه شعوب البلدان النامية وضد نضال حركة التحرر الوطنية المعادية للاستعمار والإمبريالية، وفي خدمة الاستراتيجية الأمريكية الشاملة Global Stategy.

 

وقد أعلن وكيل وزارة الخارجية الأمريكية عام 1965، كانطباع عن تلاحم المصالح السياسية والاقتصادية والعسكرية ودور المساعدات في حماية هذه المصالح " عندما نوقف برامج المساعدات، علينا أن نخشى أن نفقد استثماراتنا في الخارج، لذلك فإن مساعداتنا في هذا المجال ضرورية من أجل تأمينها ".

 

فيما يؤكد باحث ألماني أن " تبعية البلدان النامية إلى الرأسمال الأجنبي، يمنح المساعدات الأجنبية الوزن الحاسم سواء على صعيد البناء الاجتماعي الشامل أو كونها أحدى أدوات السياسة الخارجية الأمريكية والتي تسعى بواسطتها إلى العديد من الأهداف التكتيكية والاستراتيجية".

 

فالولايات المتحدة تستخدم القروض ليبس لقيم أفلاطونية كما علق أحد الاستراتيجيين الأمريكيين بل في إطار استراتيجيتها الشاملة ولكن بأي اتجاهات...؟

·        من أجل التوصل إلى مناخ سياسي مناسب وخلق الظروف للاستثمار الرأسمالي.

·        توفير الأسواق للسلع والبضائع الأمريكية.الاستقرار الدولي وذلك يعني نظاماً تديره الولايات المتحدة .

·        ضمان الموقع القيادي لها اقتصادياً وعسكرياً داخل التحالف الغربي.

·        ضمان تحقيق السياسة الأمريكية ضد الاتجاهات المناهضة لها.

 

وحتى عام 1967، كان الدور الأمريكي فيما يتعلق بالمساعدات بالنسبة لأقطار الشرق الأوسط ولا سيما الأقطار العربية وقد تم إدراك أبعاده، إذ حاولت الولايات المتحدة أن تلعب دوراً حيادياً بين إسرائيل والدول العربية، ولكن ما كان يجب تقوية إسرائيل من خلال المساعدات الاقتصادية والعسكرية وتمكينها أن تلعب دور المخفر الأمامي للولايات المتحدة في الشرق الأوسط وبالتالي أحدى الوسائل الأساسية لتحقيق السياسة الأمريكية في المنطقة، وفي نفس الوقت كان هناك "المساعدات" إلى بعض الأقطار العربية رغم أنها بمجموعها لا تشكل شيئاً قياساً إلى تلك التي تقدم إلى إسرائيل.

 

ولم يطرأ تغير على سياسة القروض الأمريكية حتى منتصف السبعينات، فقد استمرت تحمل طابع التوسع والاستغلال، وفي نفس الوقت تحاول ممارسة الضغوط على البلدان العربية المتحررة وقمع واضطهاد حركة التحرر الوطنية.

 

ولقد كان لحرب أكتوبر / 1973 آثارها على الأحداث السياسية في الوطن العربي، فقد طرحت مكاسب للتضامن العربي، ومن أهم هذه التأثيرات هي إجراءات البلدان المصدرة للنفط في الحضر والحضر الجزئي على تصدير النفط وتأميم النفط من الاحتكارات الكبرى، ثم ارتفاع مداخيل البلدان المصدرة للنفط، ثم انهيار نظرية الأمن الإسرائيلية، هذه العناصر أدت إلى تعاظم أهمية منطقة الشرق الأوسط سياسياً واقتصادياً وعسكرياً لا سيما بعد إعادة فتح قناة السويس.

 

ومن البديهي أن تجري الولايات المتحدة تحويراً وتطويراً على توجهاتها السياسية وعلى خططها بناء على هذه العناصر والمعطيات، ومن بينها سياسة المساعدات، وأن تنال أيضاً إسرائيل حصة السد من هذه المساعدات(عسكرياً واقتصادياً) بالإضافة إلى تعويض خسائرها الحربية وتعويم الاقتصاد الإسرائيلي على اقتصاد الحرب، وفي هذه الظروف هجمت المساعدات الأمريكية على إسرائيل، وهي تهدف إلى إبقاء التفوق الإسرائيلي على الدول العربية، وقد تقرر صرف مليارات الدولارات سنوياً من أجل تحقيق الأهداف الأمريكية تحت قيادة وإشراف الولايات المتحدة، وقد أدى ذلك إلى تعميق الموقف المتطرف لإسرائيل، ثم قاد إلى إحباط المساعي من أجل سلام عادل وشامل لمشكلة الشرق الأوسط، كما أدت السياسة الأمريكية إلى تعزيز دور إسرائيل في السياسة الخارجية الأمريكية.حمل طابع العدوانة القروض الأمريكية حتى منتصف السبعينات أنها بمجموعها لا تشكل شيئاً قياساً إلى تلك التي تقدم إلى إسرائيل.(في نف

 

وعملياً فإن الولايات المتحدة بدأت بعد حرب 1973 سياسة شرق أوسطية جديدة من أبراز فقراتها:

1.  توجيه ضربات عنيفة وخلق الانقسامات في التضامن العربي، وقد توصلت إلى ذلك بسبب التفاوت السياسي والاقتصادي بين الأقطار العربية.

2.  العمل ضد الصداقة والتعاون بين الأقطار العربية والبلدان الاشتراكية، وفي هذا الإطار لعبت سياسة المساعدات دوراً مهماً إلى المدى الذي توصلت فيه حكومات عربية مثل مصر والسودان إلى تصور أن حل مشكلاتها الاقتصادية لا يأتي إلا عبر التعاون مع الولايات المتحدة ومن خلال المساعدات الأمريكية وإرسال المعدات العسكرية وربط هذه البلدان بقيود القروض الثقيلة.

3.  على الصعيد السياسي تركزت المساعي الأمريكية إلى إحداث انقسام في الموقف العربي لمشكلة النزاع في الشرق الأوسط، وقد نجحت الدبلوماسية الأمريكية في مساعيها تجاه هذا الهدف في خلق جبهة من الأقطار العربية في المنطقة تقود من خلاله المصالح الأمريكية، وقد نجحت جزئياً بكسب عدد من البلدان إلى هذه السياسة فيما كانت "المساعدات " التي هي جانب مهم من تصدير رأس المال في الدولة الاحتكارية واحدة من أدوات هذه السياسة في تكوين هذا التحالف الموالي للغرب.

 

وبالإمكان تسجيل تأثيرات سياسة المساعدات والقروض كما يلي:

·   السعي إلى قمع الاتجاهات المناهضة للغرب من خلال تواصل تجهيز إسرائيل بالسلاح، واقتصاديا ودعمها في عدوانها ضد الشعب الفلسطيني والأقطار العربية.

·        تقوية الأنظمة العربية الموالية لها وتمكينها من الوقوف وقمع حركات التحرر الوطنية وبتقديم المساعدات لها.

·        العمل على ما من شأنه تأليب الأنظمة العربية ضد بعضها والتآمر لإسقاط الأنظمة التقدمية المناهضة لسياستها.

·        استخدام المساعدات كأداة ضغط ضد الأنظمة العربي ضد بعضها والعمل على إسقاط الأنظمة المناوئة لها.

·   لا تهدف المساعدات الأمريكية إلى المساعدة في حل المشكلات الاقتصادية، بل تهدف إلى المساهمة في تحقيق الأهداف الاستراتيجية الأمريكية وخدمة احتكاراتها في المجالات العسكرية والاقتصادية.

 

ولا يمكن حصر التأثيرات المدمرة لفخ القروض التي تتواصل تداعياته بصورة مأساوية في بلدان العالم الثالث بصفة عامة، بيد أن لا بد من الإشارة إلى أن تلك التأثيرات تتجسد بصورة واضحة في القارة الأفريقية.

 

وتتحدث تقارير دولية كثيرة، وعلى الأرجح من قبيل التنصل من مسؤولية النتائج المدمرة والواسعة النطاق على أصعدة عديدة، فيتحدث تقرير البنك الدولي ويحذر من أن الحروب الأهلية، وسرعة انتشار فيروس ومرض الإيدز، والفساد، وضعف المعونات والاستثمارات الأجنبية المباشرة، فضلاً عن انخفاض أسعار السلع الأولية، من شأنه تهديد المكاسب الأخيرة التي تحققت في الجهود الكلية للتخفيف من حدة الفقر. ويوصي هذا التقرير بتوسيع نطاق التقدّم المُحرز وزيادة سرعته، وزيادة التركيز على النمو الاقتصادي، بغية مساعدة البلدان الأفريقية في تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية الجديدة، وعبر كبير الخبراء الاقتصاديين لمنطقة أفريقيا جنوب الصحراء في البنك الدولي، " ثمة حاجة لاعتماد إستراتيجية لتحقيق نموٍ يشارك فيه الجميع، بحيث تستثمر في الفقراء لمساعدتهم في الإسهام في تحقيق هذا النمو والاستفادة منه." 

 

وقد صرح رئيس البنك الدولي وولفيتز معبراً عن الوضع المأساوي للقارة الأفريقية الضحية الأبرز للديون، وبالتالي لتدهور الموقف الاقتصادي والاجتماعي: "لقد أصبحت معدلات الوفيات في أفريقيا مرعبة، فمنذ عام 1981 تضاعفت أعداد الأفارقة الذين يعيشون على أقل من دولار واحد في اليوم إلى ما يقرب من 164 مليون إلى 314 مليون شخص".

 

ومع أن الدول الصناعية المدينة والمؤسسات الدولية التي تعمل بأشرافها، تعلم أن تخفيف أعباء الديون عن البلدان النامية، سيتيح لها متنفساً لتوجيه الأرصدة إلى المشاريع الاستثمارية أو في البناء الأرتكازي، إلا أنها (الجهات الدائنة لا فعل ذلك إلا تعبيراً عن (رضاها) حيال القضايا السياسية، وفي هذا الصدد يشير مؤيدو شطب الديون إلى الآثار الإيجابية التي حققتها مبادرة الدول الفقيرة ذات الديون الثقيلة عندما خففت الديون عن دولة مثل تنزانيا، فقد وجهت تنزانيا 80 مليون دولار سنويا كانت تدفع لخدمة الديون إلى تحسين التعليم وإلغاء مصروفاته، وكانت النتيجة عودة أكثر من 1.6 مليون طفل تنزاني إلى المدارس.                                                     

 

 

 

 

 

 

*****************************************************

 

 

 

 

 

مصادر البحث

 

 

1. Hans Joachim Durbowsky & Helmut Faulwetter: The  Indebtedness of developing countries and its Connsquences, in: W. Luchterhand, op. Cit. 1988, P. 21 /22

2. IMF, Isswues and development in International trade policz Occasional Paper 63, December 1988, P28

3. الجبالي، مصطفى: تلبية الحاجات الغذائية الأساسية،  في برنامج الأمم المتحدة للبيئة، الكويت/1990  

4. مرسي، د. فؤاد: الرأسمالية تجدد نفسها، الكويت/1990

5. بابي، جان: القضايا الأساسية في الاقتصاد الرأسمالي،  بغداد/1959

6. داغر، محمود، محمد: تغيرات في هيكل الصناعة الدولية، الاقتصاد العربي، ص145 بغداد

7. سرحان، د. باسم: في صحيفة الوطن الكويتية 18/ أيار / 1989 ، الكويت

8. القيسي، د. حميد: المديونية الخارجية للأقطار النامية، في النفط والتنمية، العدد/5، أيلول   1986 ، بغداد

9. سعيد، لبنى: مطرقة الدين وسندان الفساد، موقع اقتصادي على الإنترنيت / 2005

10. الحمداني، د. عودة ناجي: المديونية الخارجية للبلدان النامية وأثرها على اقتصاديات البلدان المدينة، موقع سياسي / اقتصادي على الانترنيت،  19/ 5/ 2005

11. إحصائيات صندوق النقد الدولي IMF     لعام 1985

12. صحيفة الرياض السعودية: مؤتمر قطر لمجموعة السبعة وسبعين، 16/ يونيه/ 2005

13. مؤتمر الدوحة 2005: نفس المصدر

14. الديون الخارجية: مقال في صحيفة الثورة، بغداد ، العدد: 28/ 5/ 1989

15. مطر، د. زكريا: العولمة، هدم للاقتصاد القديم، مقال على الانترنيت أيار/ 2005

16. Autorenkollektiv: Politische Ökonomie des Kapitalismus und Sozialismus , Berlin 1974. S.207

17. فاخروشيف، ف: السياسة الاستعمارية بعد الحرب العالمية الثانية، موسكو1966

18. كلاين، ديتر: الاستعمار الجديد، مقال في مجلة المجلة العدد7 / 1978

19. رؤوف، م: المساعدات الرأسمالية: مقال في مجلة النفط والتنمية، بغداد 1978

        العدد7

20. جوليان، كلود: الإمبراطورية الأمريكية، بيروت 1970

21. ماركوف: مشكلات التغذية والسياسة الإمبريالية،  موسكو 1975

22. المساعدات والديون من البلدان الصناعية، مقال في مجلة المستقبل العدد 74، باريس /1978

23. مقال: صحيفة الجمهورية، بغداد 9/ أيار / 1979

24. خطاب رئيس وزراء مصر في : صحيفة الجمهورية، القاهرة 12/ ديسمبر/1976

25. نصراوي، د. عباس: تجارة أمريكا مع الأقطار العربية، مجلة الاقتصاد العربي، العدد 13، باريس 1977

26. صحيفة الجمهورية: العدد 8 / تموز / 1979 بغداد.

27. ماجدوف، هاري: الاقتصاد الإمبريالي الأمريكي، بيروت/ 1970

28. Pütz, K.H.: Die Außenpolitik der USA, S. 128, Hamburg 1974

29. Pütz, K.H.: Die Außen Politik der USA, s.137   

30. Safran, N. : Israel the Embatlled Ally , P.596, London 1978

31. مصطفى، أحمد عبد الرحيم:

32. Neues Deutschland vom 13 März 1979 Berlin

33. صحيفة البعث، دمشق 17/ 8/ 1978

34. Pütz, K. H. : S. 133

35.جدول: إحصاءات البنك الدولي للتنمية والإعمار IBRD في مجلة الوطن العربي باريس 1979

36. Weltbank - Gobal Development Finance 1999

Bundeszentrale für politische Bildung 2007 . 37

IMF: 28/ 06/2005 .38

39. . البديري، اشرف: محاولات لأطفاء ديون العالم الثالث، 2007

 

 

 

يرجى الاشارة الى موقع التحالف الوطني العراق عند اعادة النشر او الاقتباس

العراق باق ٍ والاحتلال إلى زوال