إشكالية اندماج المسلمين بالغرب

 

يحيى اليحياوي

 

 

 

يوجد بأوروبا اليوم ما يناهز 15 مليون مسلم, معظمهم أتى من دول غير أوروبية, من المغرب العربي, من إفريقيا جنوب الصحراء, من الهند وباكستان وتركيا وغيرها, بالإضافة لساكنة مسلمة أصلية, أي متجنسة بإحدى الجنسيات الأوروبية, من الأجيال الجديدة للمسلمين من آباء أجانب, أو معتنقي الإسلام الجدد, أو من مسلمي باقي دول أوروبا الأخرى, أي من دول البلقان (ألبان وكوسوفو وأتراك اليونان وغيرهم), حيث كانوا متواجدين هناك منذ قرون عديدة, واعتنقوا الإسلام بسياقات تاريخية مختلفة, وبقوا على هدي ذات الدين, على الرغم من البطش الذي طاولهم جراء ذلك, كما بالمرحلة السوفياتية مثلا.

 

إن وجود هذا العدد الهائل من المسلمين بأوروبا, معناه أن الإسلام هو أكبر أقلية دينية بالمنطقة...جزء منها أتى كنتاج للهجرات المتأتية من الإمبراطوريات القديمة لآسيا وإفريقيا وجزر الكارايبي وما سواها, والجزء الآخر أتى بستينات القرن الماضي, كإفراز طبيعي لما بعد الحقبة الاستعمارية, وتحقيق الاستقلالات الوطنية.

 

وعلى الرغم من التوقيف الرسمي لتيارات الهجرة من أجل العمل أواسط سبعينات القرن الماضي, فإن تمركز هؤلاء المهاجرين بات من حينه, أمرا واقعا, ازداد مداه بقوة جراء تكثيف سياسات التجمع العائلي, التي أسهمت في إعادة تشكيل وتوسيع العوائل داخل الفضاء الأوروبي. فأتت بالتالي, الأسئلة والمخاوف والشكوك, حول إدماج هؤلاء بمعظم التجمعات الوطنية القائمة, حول الآليات القانونية الكفيلة بذلك, وحول الإجراءات العملية الضامنة له بالشكل كما بالمضمون.

 

وعلى هذا الأساس, فإن سياسات الإدماج المعتمدة منذ سبعينات القرن العشرين بأوروبا, إنما تغيأت إعادة موقعة المسلمين بأوروبا على المستوى الاقتصادي والاجتماعي وإلى حد ما الثقافي, في حين بقي البعد الديني مثار أخذ ورد, ومثار إشكال بالنسبة للمسلمين, كما بالنسبة للدول الوطنية التي حاولت "إدماج منظومته", لدرجة استنبات مصطلح جديد لتأطيره, مصطلح "الإسلام الأوروبي".

 

بالتالي, فقد اعتمدت دول أوروبا الموحدة, منذ أواسط تسعينات القرن الماضي, اعتمدت مجموعة سياسات, بأفق وضع إطار مؤسساتي للإسلام, بسياق مختلف التشريعات الوطنية القائمة أو المراد إقامتها, من أجل تحديد طبيعة العلاقات بين المسلمين وكل دولة على حدة, وضبط أشكال التعبيرات الدينية بكل دولة من دول الاتحاد الأوروبي.

ما شجع على ذلك بقوة, السياق الديموقراطي والعلماني الذي تأسست من بين ظهرانيه هذه الأقليات المسلمة الأوروبية ("المؤوربة" يقول البعض), على الرغم من سيادة توجه عام بجهة إخضاع "الإسلام الأوروبي" لتمثلات فكرية ونزعات دينية تغرف من الفترة الكولونيالية السابقة, وتتعامل مع الإسلام باعتباره منظومة شاملة وشمولية, تؤسس لذات الأقلية خيطها الناظم, بالقائم كما بالقادم من سلوكات وشعائر.

 

بالتالي, فإن التوجه المعتمد هنا, إنما كان قائما بزاوية "ترويض" هذه المنظومة, من خلال خلق "إسلام رسمي", قابل للاندماج, على شاكلة ما عمدت إليه فرنسا طيلة فترة استيطانها للجزائر, ونجحت فيه إلى حد بعيد. إن توجه أوروبا (وفرنسا على وجه التحديد) بجهة الارتكاز على سياسة الترويض هاته, إنما يفسر محاولاتها المختلفة والحثيثة لشرعنة العديد من الوجهاء والأعيان, الذين يدعون إذا لم يكن تمثيل الإسلام, فعلى الأقل تمثيل المسلمين.

 

 بهذه النقطة, فإن الدعم العمومي الذي لم تفتأ السلطات الفرنسية مثلا تقدمه لمسجد باريس, إنما هو خير دليل على الرغبة الراسخة من لدنها, في إعادة إنتاج التصورات التقليدية الموروثة عن "الحقيقة الاستعمارية", والتي أعطت دائما ميزات خاصة للإسلام الجزائري ضمن الإسلام الفرنسي, أو هكذا يتراءى لذات السلطات.

 

بالمقابل, وإلى جانب المعطى الكولونيالي الضاغط والمترسب, فإن المواجهة القائمة بين الإسلام "كتهديد سياسي عالمي", وبين مسلمي الداخل الأوروبي, لم تساعد كثيرا على تفهم واستساغة الخصوصية, ثم تميز الظرف الديني والثقافي للمسلمين الأوروبيين, وهو ما تبين مثلا بأعقاب 11 شتنبر 2001, حيث بات الإسلام يؤخذ من تاريخه بجريرة بعض أبنائه, ولم يعد ثمة ما يحول دون فك ارتباطه بسلوكيات العنف والإرهاب ورفض الآخر. إننا هنا إنما بإزاء حالة من استنساخ الحالة الدولية على مسلمي الداخل الأوروبي, على اختلاف أجيالهم وتمثلاتهم وتصوراتهم, ومدى تبايناتهم في الاندماج والقبول بالآخر.

 

بامتداد لذلك من جهة أخرى, فإن أدوات الاستقراء ذاتها (بأوروبا كما بأمريكا), بقيت محكومة بمستوى معرفة مؤطر من لدن منظومة "الإسلام السياسي", كما لو أنه حقا وحقيقة المدخل الوحيد لفهم الإسلام, والمعطى المفاهيمي الأوحد لتلمس واقع العالم الإسلامي, وذلك دونما التدقيق في ممارسات الإسلام داخل البلدان الإسلامية نفسها, أو الممارس من بين ظهراني تلك التي أتى منها المسلمون ستينات القرن الماضي, ودونما الوقوف عند طبيعة الحركية الثقافية التي ميزتهم, أو لا تزال تكون الخيط الناظم لفعلهم وتفاعلهم بأوروبا.

 

 إن هذا المدخل الاستقرائي القاصر, كان ولا يزال محكوما بثنائية التسييس والاحتجاج, فلم يستطع التجاوز على المظهر لضبط الجوهر, ولا كان بمقدوره استنبات أدوات استقراء معرفية جديدة غير مؤدلجة, أو موجهة, أو ذات غايات معتمة, بجهة طرح السؤال: هل المسلمون الأوروبيون مختلفون عن مسلمي المجتمعات الإسلامية, بزاوية نسبة التدين وحجم الطقوس الدينية؟ هل هم بإزاء تحديد طريق جديد لبلوغ مكنونات "إسلام جديد", متأت من طبيعة ما من التداخل والتفاعل بين المسلمين وغير المسلمين, أم هم مكتفون بإعادة إنتاج التوجهات المهيمنة بالعالم الإسلامي ككل, وبداخل كل دولة على حدة بوجه خاص؟

 

إن معظم الدراسات المتوفرة حول الإسلام بأوروبا (كواقع حال قائم, أو كمنظومة مراد تشكيلها) غالبا ما نجدها بنصوص متراصة, متمحورة حول حالات وطنية, تحاول أن تقف عند تاريخ وسوسيولوجيا مجموعات المهاجرين بهذه الدولة أو بتلك. قد يستطيع المرء الجزم بأن بعضا من ذات السوسيولوجيا قد تمت مأسستها نسبيا ببريطانيا أو بفرنسا أو بغيرها, لكنها لم تذهب لحد التمأسس على مستوى سوسيولوجيا أوروبية, منظور إليها من زاوية قارية, وفق أدوات معرفية مستقرة, مساعدة على الاستقراء الموضوعي المحايد, المبني على طرح السؤال: كيف تتأسس المجموعات المسلمة بأوروبا؟ كيف يتأسس الإسلام هناك؟

 

إن المتطلع إليه هنا ليس الارتكان إلى هذا التصريح الاستفزازي أو ذاك (حتى وإن كان على لسان رئيس وزراء كبرلسكوني مثلا), بقدر العمل على "تجميع عناصر المعلومات الأمبريقية داخل التجمعات المسلمة بأوروبا, ومحاولة اقتراح مفاتيح تحليل لواقع ثقافي وسياسي معقد ومتناقض", بجهة ضبط واقع ذات التجمعات بظل واقع آخر, واقع ديموقراطي وعلماني, وبجهة العمل على ملامسة مدى تأثر أوروبا بالإسلام, و مدى تأثر هذا الأخير بها.

 

إن أهمية ومركزية ذات الزاوية إنما تذكيهما حقيقة تعدد الوقائع الوطنية المميزة للإسلام الأوروبي, وكذا الممانعة المتزايدة الملاحظة بين عنصري الدين والهوية بواقع علماني, كالواقع الأوروبي بشكل عام.


 

 

الرجوع الى الصفحة الرئيسية

 

 

يرجى الاشارة الى موقع التحالف الوطني العراق عند اعادة النشر او الاقتباس

العراق باق ٍ والاحتلال إلى زوال