قصة الصراع على النفط

 

ابواحمد الشيباني

 

لكي نحلل أحداث الشرق الأوسط خلال القرن العشرين وحتى هذه الأيام لا بد أن نتوقف عند محطة النفط في الزمن السابق كانت أهمية الشرق الأوسط أنه قلب العالم القديم ومركزه الاستراتيجي عبر البوابتين الآسيوية والإفريقية لعب دوراً في الحروب والصراعات التي دارت في المنطقة . الآن وبعد اكتشاف النفط تحول الاهتمام الدولي من الموقع إلى الثروة الدفينة في أرضه التي يمثل إنتاجه أكبر عملية رابحة في تاريخ الجنس البشري ويمثل تأثيره على اقتصاديات العالم الصناعي والزراعي المتطور والمتخلف ما هو أكبر من الحروب التقليدية . الدور العالمي للنفط العربي لم يعد مسألة خاصة بنا لأن الصراع على تأمين الموارد منه وحصص الأرباح التجارية به جعل بلادنا هدفاً للخارج الأجنبي وبدلاً من أن نشعر بالرفاهية والتطور تحولت بلادنا إلى ساحات للغزو الصهيوني والحروب التي يخطط لها خارجياً وانتهت أخيراً بالاحتلال المباشر للعراق والحبل على الجرار كما يقول المثل !

فما هي قصة النفط في الشرق الأوسط ؟

في العالم كان يوجد النفط مكتشفاً في الولايات المتحدة التي في عام 1912 كانت تنتج 63 % من الإنتاج العالمي . وكانت روسيا في حقول باكو تنتج 19 % والمكسيك تنتج 5 % وما عدا هذه الدول لم يكن النفط موجوداً . كان النفط يستعمل في مصابيح الزيت ولم يكن قد دخل في النقل البحري وصناعة السيارات والمعامل أول من أدخل النفط في تحريك السفن هم الألمان .. كانت السفن تدار بالفحم وكانت الأساطيل البريطانية تتفوق على العالم بوجود الفحم الحجري لديها . إنتاج بريطانيا من الفحم عام 1890 / كان  182 / مليون طن ألمانيا في عام 1910 تقدمت عليها فأنتجت من الفحم 219 مليون طن . التطور الهام حصل في ألمانيا لأنه في عام 1885 حين اخترع المهندس الألماني ديملر محركاً يعمل على النفط . الألمان حولوا سفنهم من الفحم إلى النفط فحققوا سبقاً كبيراً على الأسطول البريطاني .

فإدارة سفينة بالفحم تحتاج إلى 4 - 9 ساعات وبالنفط تحتاج إلى 30 دقيقة ودخان الفحم من السفن يمكن تحديد موقعها من عشر كيلو مترات ومن السفن النفطية لا يوجد هذا الخطر عدا عن السرعة التي يؤمنها وجود محرك نفطي .

الألمان حددوا إستراتيجيتهم في الشرق الأوسط معتمدين على ما يلي :

1 ـ إقامة أسطول حديث وتجديده كل عشرين عاماً ويعمل على النفط بدلاً من الفحم .

2 ـ مد خط حديدي من برلين إلى بغداد ثم إلى الكويت .

3 ـ تطور صناعي غير تقليدي .

4 ـ زيادة عدد السكان حيث ألمانيا التي كانت عام 1870 عددها 40 مليوناً أصبحت 67 مليوناً عام 1914 .

5 ـ نقل البضائع إلى الشرق للسيطرة والنفوذ حيث يوجد النفط في منطقة سموها ( ميسو بوتيما ) وتضم العراق والكويت .

هذه الهجمة الألمانية على مكامن النفط في الشرق الأوسط كانت السبب في اشتعال الحرب العالمية الأولى عام 1914 .

في الجانب البريطاني اللورد فيشر عام 1882 كان أول من دعا إلى تحويل السفن البريطانية من الفحم إلى النفط ومن هذه الدعوى بدأ الاهتمام البريطاني بنفط الشرق الأوسط .

بدأ التدخل البريطاني في إيران حيث كان رضا بهلوي هو الشاه الحاكم .

كان في إيران مهندس استرالي ذكي وورع دينياً وكان يبحث عن السبب في وجود عبارة النار في كارس فذهب إلى المعابد القديمة ووجد أن الصخور قرب هذه المعابد تنضح بالنفط الذي يتم إشعاله كطقس ديني وعرف أن النفط موجود في الأعماق وأن الناس عبدوا النار لهذا السبب ..

عرض على الشاه أن يستخرج النفط وأعطاه 20 ألف دولار لكي يعطيه امتيازاً للتنقيب والاستثمار في كل إيران على أن يدفع للشاه 16 % من الموارد فأعطاه الامتياز في عام 1901 وينتهي عام 1961 .

البريطانيون دخلوا على الخط فأرسل رئيس مخابراتهم والذي يعرف بكبير الجواسيس واسمه الحركي ( رايلي ) واسمه الحقيقي جورجوفيتش روزنبلوم إلى إيران لانتزاع الامتياز من المهندس الاسترالي المسيحي الورع ( دراسي ) .

دخل رايلي إيران بلباس راهب وأقام صلة مع دارسي وأقنعه أن استثمار النفط هو أكبر مشروع مسيحي سيجلب الخير فتم إنشاء الشركة الفارسية ـ الانكليزية التي انتقل إليها امتياز دراسي فصار النفط الإيراني تحت سيطرة الانكليز !!

كان وجود بريطانيا في الخليج محدوداً بالكويت التي تم إعلانها محمية بريطانية مع أنها جزء من الإمبراطورية العثمانية وكانت لها سفن فيها وحاكمها الشيخ مبارك الصباح قتل أخويه وتسلم السلطة بمعونة بريطانيا التي أعلنت قبيلة ( عنيزة ) حاكمة تحت الحماية البريطانية عام 1901.

وفي عام 1913 حصل الكولونيل بيرسي كوكس على تعهد من مبارك الصباح بأن لا يمنح أي امتياز للنفط بدون موافقة بريطانيا واستأجرت منه ميناء الكويت بعقد إيجار دائم ( الشويخ ) مقابل أموال وبنادق وذلك باتفاقية تضمنت أن مدتها حتى يشيب الغراب ويفنى التراب ..!!

وهكذا بدأ الصراع الألماني ـ البريطاني على نفط الشرق الأوسط .

حصل الألمان الذين وصل خطهم الحديدي إلى الموصل على نفطها وبدا للجميع أن خط برلين سيستولي على مناطق النفط في كل من العراق والكويت فبدأت الحرب العالمية الأولى .

كان هدف الحرب العالمية الأولى تمزيق التحالف العثماني ـ الألماني ومنع ألمانيا من الوصول إلى مكان من نفط الشرق الأوسط وطبعاً كانت شرارتها مقتل الأرشيدوق ولي عهد النمسا من قبل طالب من الصرب .

وكان الهدف الاقتصادي وقف التصاعد المرعب لألمانيا وفتوحاتها المتطورة وغير التقليدية .

أما الهدف السياسي للتحالف فكان تمزيق الدول العثمانية وتحرير الأجزاء الأوروبية منها ومنحها الاستقلال في حين يتم احتلال الأجزاء العربية منها ...!

بريطانيا قررت أن وجودها في الخليج العربي مصلحة قومية وصار ذلك جزءاً من إستراتيجيتها لكن تبقى دولة عظمى . كما أن من إستراتيجيتها منع قيام دولة أوروبية أقوى سياسياً واقتصادياً منها . لذلك اعتبرت خط سكة الحديد من برلين إلى بغداد تم إلى الكويت وقال الوزير وايت أن الخط الحديدي مثل خميرة تخلف اختماراً ثقافياً بين السكان ولو مر عبر شعب همجي كلياً فإنه سيرفعه في وقت قصير إلى المستوى الذي يتطلبه تشغيله وعمله وهذا التطور ليس في صالحنا.

ولذلك نجدها تدعم تركيا ضد السماح بمرور الروس عبر الدردنيل إلى المياه الدافئة حيث النفط وتحجيم روسيا كان جزءاً آخر من إستراتيجيتها .

ولذلك فإن أضعاف الدولة العثمانية التي دخلت في حلف مع الألمان وتمزيقها كان إستراتيجية أخرى لبريطانيا التي أشعلت بوجهها حروب البلقان ولو سراً وأدت إلى تجريد الدولة العثمانية من ممتلكاتها في أوروبا .

الحرب العالمية الأولى اندلعت في 28 / 7 / 1914 محمولة على هذه الإستراتيجية وموجهة ضد الحلف الألماني ـ التركي ولمنع ألمانيا من الوصول إلى منطقة النفط في العراق والكويت والخليج العربي ومنع وصول بضائعها إلى الشرق الأوسط . هذه الحرب العالمية اعتمدت على النفط كوقود فالعثمانيون منعوا وصول نفط روسيا من باكو على بحر قزوين إلى أوربا عبر الدردنيل وإلى ألمانيا فكانت هذه هي الضربة الحاسمة التي جعلت ألمانيا تطلب الصلح .

وهكذا ثبت أن النفط هو المادة الأساسية من أجل الأمن العسكري وصار 40 % من أسطول بريطانيا يعتمد على النفط بديلاً عن الفحم وحتى فرنسا افتقدت النفط فاستغاثت بالولايات المتحدة في نهاية عام 1917 بعد أن هددت بطلب الصلح فأنجدتها لإنقاذ الجبهة الفرنسية كما أنجدوا بريطانيا بـ 12 ألف برميل يومياً . في نهاية الحرب سيطر الانكليز على الشرق الأوسط وأصبح الخليج بحيرة بريطانية في حين تعثر الفرنسيون في الجهة الأوروبية وقتل منهم مليون فرنسي . حصل الفرنسيون على سورية ولبنان وعلى نفط منطقة الموصل وتحت شعار استقلال العرب احتل البريطانيون فلسطين والأردن والكويت والعراق وأقاموا دولاً موالية لهم ومدوا خط سكة حديد من حيفا إلى بغداد وخطوط موازية . وكانت فارس واقعة تحت النفوذ البريطاني . أما السعودية فلم تكن محل اهتمام بريطانيا وكان هذا من أخطائهم فدخلها الأميركيون .. ! أخل البريطانيون بعهودهم لشريف مكة وخذلوا العرب الذين قاتلوا معهم الدولة العثمانية وقتل منهم مئة ألف ومكنوا بريطانيا من السيطرة على منابع النفط العراق مستغلة ضعف فرنسا فصار نفط الشرق لأوسط كله بريطانيا !! في 22 / 10 / 1917 أصدر البريطانيون وعد بلفور لإقامة دولة يهودية في فلسطين ففجروا الشرق الأوسط مجدداً وكان هذا الوعد من أهم نتائج الحرب العالمية الأولى أيضاً بعد ذلك بدأ الصراع الأميركي ـ البريطاني على نفط الشرق الأوسط فالبريطانيون خرجوا من الحرب العالمية الأولى وهم مدينون للولايات المتحدة عام 1919 بأكثر من 4.7 مليار دولار البريطانيون حصلوا على 75 % من نفط الشرق الأوسط وحصل الفرنسيون على 25 % من أسهم شركة النفط التركية السابقة فقط . اتفاقية سان ريمو فجرت الصراع بين بريطانيا والولايات المتحدة التي لم تحصل على مقابل نفط رغم أن نفطها كان وراء النصر الذي تحقق . بعد الحرب العالمية الثانية عقد البريطانيون والأميركيون اتفاقية ( اتفاقية بريتون ) صار هناك هيمنة أميركية بريطانية على نفط العالم . مشروع مارشال لإنعاش أوربا بعد الحرب العالمية الثانية وتضمن وجوب شراء 10 % من النفط الأميركي المكرر ومنع مشروع مارشال بناء المصافي في أوربا لتكرير النفط . وبعد محاولة مصدق تأميم النفط الإيراني الخاضع للانكليز استنجد الشاه بالأميركيين الذين ساهموا بالإطاحة بمصدق . بعد ذلك وعبر الحروب العربية الإسرائيلية أحكم الأميركيون سيطرتهم على نفط السعودية والخليج وإيران وبدا لجميع المحللين أن وراء كل حرب ونزاع في هذا الشرق يختفى دور النفط في اللعبة السياسية حيث اتجهت الولايات المتحدة إلى السعي لتأمين سيطرة كاملة على مناطق النفط . الآن يبدو واضحاً أن أحداث جنوب السودان كانت تخفي صراعاً على نفط الجنوب وحين تم الاتفاق على استثماره توقفت الحرب . وفي شرقي السودان يختفي صراع الشركات على نفط دارفور ولن تتوقف الحرب حتى يسيطر الأميركيون وشركاؤهم على نفط دارفور .. الحرب على العراق هي حرب للسيطرة على نفط العراق بالدرجة الأولى .. الحرب القادمة على إيران تخفي الرغبة في السيطرة على نفط إيران ولن تتوقف الحرب على إيران إلا إذا أنجز الأميركيون السيطرة على نفط إيران .. وهكذا فإن كل الصراعات في هذا الشرق هدفها الاستراتيجي السيطرة على نفطه لأن من يقعد على صمامات النفط في الشرق الأوسط يستطيع أن يتحكم بمصير دول العالم وأن يخضعها لإدارة القطب الأوحد دون حاجة للحرب معها . ونحن الشعوب في هذا الشرق ندفع من دمائنا ثمن هذا الصراع المرير دون أي مقابل لحقوقنا في ملكية الآبار لأن الدول الكبرى تعتبرنا آبار نفط أكثر مما نحن دول مستقلة ..

المسألة الخطيرة وهذا السلاح النفطي إذا أحسنا استعماله قد يعطينا القدرة على حصولنا على العدل من مجتمع دولي ليس من سياستها أن نعيش أحراراً أو نتطور أو نخرج من نفق التجزئة والتخلف ..

فماذا نفعل .. هذا هو السؤال الأهم في التاريخ...لقد رفع العراق في عهد الرئيس صدام حسين رحمه الله شعار ( النفط سلاح في المعركه) وتخذ خطوات حقيقيه في هذا المضمار حيث اصدر قانون ( تاميم النفط ) الجبار والرائد في تاريخه حيث أصبح النفط العراقي وإنتاجه وطنيا وطرد الشركات ألاحتكاريه من العراق  


 

 

الرجوع الى الصفحة الرئيسية

 

 

يرجى الاشارة الى موقع التحالف الوطني العراق عند اعادة النشر او الاقتباس

العراق باق ٍ والاحتلال إلى زوال