اِنتفاضة الحسين : كيف ينبغي فهمها ؟
الحلقة السادسة
الفرد المسـلم الذي يتمسـك بالشـريعة وفق مدرسة الرؤية الإمامية الحقيقية ،
لا الصفوية الفارسية ، عليه واجب محدد على ضوء رؤية الأئمة ذاتهم ، والمعايير التي
يقيسون فيها أي فعلٍ سياسي ملموس ، من خلال القرآن والسنة ، وممارسات الأئمة
الإثنا عشر ، أي من غير اِبتذال مفهوم الإمامية الذي أساء له الفرس بترهاتهم
الكثيرة التي مزجوا فيها تراثهم المجوسي الفارسي بتراث المفاهيم الإمامية
وجعلوها ممارسات مذهبية صفوية وعدوانية
فارسية ، [1] ، قبل ممارسة المستحبات المذهبية ، إذا
كانت ممارسة الشعائر ،[كما هو حال شج الرؤوس وضرب السلاسل على الظهور
واللطم على الصدور العارية] الحسينية من المستحبات
، الذي يتقدمها أو يسبقها واجب مواجهة منكر الغزاة
، الذي يتجسد بالقصف والقتل والسرقة للنفط ، مثلاً ، من
أجل تغييره باليد أو اللسان أو القلب ، كما جاء في الأثر النبوي الشريف
، المعروف والمشهور .
أما
ممارسـة العبادات المفروضة من قبل الإله ، فالله وحده يحدد معايير الحسـاب عنها ،
والنية والعمل تلعب دورهما في تقييم أي مسألة أو أي ممارسة ، وهو الذي ألهم الذات
البشرية إرادتها وعواطفها وأعمالها ، ((ونفس وما سواها
، فألهمها فجورها وتقواها ، قد أفلح مَنْ زكاها ، وخاب مَنْ دساها)) ،
[سورة الشمس ، الآيات المرقمة 7 ، 8 ، 9 ، 10] ، ويجزي الله المحسنين عنها ، أو
يعاقب الخالق العاقـِّين عليها ، يوم القيامة ، أي يوم الحساب العام في الآخرة على
الأعمال ، ((فمَنْ يعمل مثقال ذرةٍ خيراً يرهُ ، ومَنْ
يعمل مثقال ذرةٍ شراً يرهُ)) [سورة الزلزلة ، الآيتان 7 ، 8] ، مع
الأخذ بنظر الاِعتبار ، مفهوم الإمام علي بن أبي طالب [ك] عن العبادة وشروطها على أنه مُلزِم للأتباع ، يجب التبشير
بمضمونها والنهي عن كل ما يخالفها ، إذ يشدد على دور الفرد العملي بالذات
.
فهو القائل : ((مَنْ أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه)) [ن . ب ، ص
662] ، الذي يحدد مفهوم الطاعة التي دونها أي طاعة ، مداهنة للجمهور أو المخاتلة
لهم أو الخشية منهم : ((إنَّ ولي محمد مَنْ أطـاع الله
، وإنْ بعدت لـُحْمَتهُ ، وإنَّ عـدو محمد مَنْ عصــى الله ، وإنْ قربت قرابته))
، [ن . ب ، ص 677] ، لذا يؤكد عليه السلام
على أنه : [إذا أضرت النوافل بالفرائض فارفضوها]
، [ن . ب ، ص 724] ، فيما يصرح بالفم المليان أنه ((لا
قربة بالنوافل إذا أضرت بالفرائض)) ، ويقول العلاّمة محمد عبده في شرحه
للفرائض ، كمن يترك ((الصلاة والذكر ويفـُّر من الجهاد))
، [ن . ب ، ص 667 ، والتشـديد من عندي] . والأمر متروك للعلماء المسلمين عموماً
والإماميين خصوصاً ، ولكل ((المراجع العظام)) وكل ((آيات الله المجتهدين))
المتابعين لهمروجة ممارسات البعض مهمة تفسير معاني هز السيوف وشج الرؤوس ودق
الطبول وضرب السلاسل وطرق النحاس وصفق الطوس أو دقها والتي تترافق مع الصيحات
المهتاجة المنطلقة من العواطف المضطرمة : حيدر . . . حيدر ، أو حسين . . . حسين .
. . في ظروف يحتل فيها الصليبيون المتصهينون العراق
. . . وعليهم
ـ أيضاً ـ وعي ما يمارسه ((الذين يهبون مع كل ريح)) في طقوسهم الصفوية
الفارسية خلال شهر محرم الحرام من كل عام ، والأيام العشرة الأوائل منه على وجه
الخصوص : أي الأيام التي تسبق اليوم الكبير ، يوم عاشوراء ، يوم اِستشهاد الإمام
الحسين عليه السلام على أرضية طلب الإصلاح ، وليس الجهاد في سبيل تحرير بلاد
المسلمين من عسس غير المسلمين ، الذي له الأولوية في الممارسة كما ينبغي .
العلاقة مع الإله هي إحدى علاقات الفرد مع الله الصمد : الخالق ، وهو
الكفيل بالمحاسبة في نهاية المطاف : الآخرة ، وقد يجزي في الدنيا أو يعاقب فيها ، كونه كلي العلم والإطلاع وهو الرؤوف الغفور الرحيم ، من ناحية ،
وصاحب السطوة والجبروت والشديد العقاب ، كما ورد في آيات القرآن الكريم
، من ناحية ثانية . أما العلاقة مع الذات الفردية فتعود للشــخص ذاته أســاسـاً ،
كالنظافة والصدق ، مثلاً ، فهي تخص الفرد ذاته طالما
لا تلحق الضرر بأحدٍ من البشر
، أما الضمير حولها سواء بالنية المضمرة وسرائر النفس البشرية عند الفرد أو الهدف
المعلن من مجمل العمل المبذول تجاه الأنا ، فالله وحده علاّم الغيوب والمحاسب عن
ذيولها في هذه الدنيا ـ بشكل غير مباشر ـ أو في الدنيا الآخرة بشكل مباشر .
فيما
العلاقة الإنسانية مع الآخر فلا يحددها معيار موضوعي : سوى معيار الضرر والضرار مع الآخرين ، العلاقة الفردية أو
الجَماعية سواء بسواء ، وهي قاعدة فقهية معروفة : ((وجوب
دفع الضرر المحتمل)) ، [ محمد تقي الحكيم ، مصدر سبق ذكره ، ص 500] ،
وهو في كل الأحوال ، مقدم على جلب المنفعة خاصة إذا كان الضرر أكبر من المنفعة ،
ويتفاقم يوماً بعد يوم . فهل ألحق الأمريكيون الأضرار
المادية والموثـَّقة بالعراقيين ، وليس المحتملة فقط : العراقيين
المسلمين كلهم ما خلا حفنة مرتزقة مستفيدة من المحتلين ، أم لا ؟ .
هذا
هو السؤال الذي ينبغي الإجابة عليه من قبل العلماء المجتهدين أو ((الذين يهبون مع
كل ريح وينعقون مع كل ناعق)) على حدٍ سواء ، وفق مقولة
/ حكمة الإمام الأول للرؤية الإثنا عشـرية حول معيار العمل الصالح . .
. ومن الضروري جداً ـ كذلك ـ مواجهة الذين شـجوا رؤوسـهم بالقامات والسيوف وطبعوا
ظهورهم بالسلاسل ، ولطموا على صدورهم المتعرية بعنف الكفوف ومعرفة : هل كان بكائهم
على الحسين المجاهد والشهيد الذي هو حي عند ربه يرزق ، كان بكاء ً صادقاً أو بكاءً
منافقاً ؟ وذلك على ضوء واقع العراق الحالي : المُحتل
من قبل الأمريكيين والصهاينة ، كونه القرآن أنذر وبشَّـر بذلك :
((وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو اِدفعوا قالوا لو
نعلم قتلاً لاِتبعناكم هم للكفرة يومئذٍ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس
في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون ، الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما
قتلوا قل فاِدرؤوا عن أنفسكم الموت إنْ كنتم صادقين ، ولا تحسبن الذين قتلوا في
سبيل الله أمواتـاً ، بل أحياءٌ عند ربهم يرزقون)) ، [سورة آل عمران ، الآيات ،
167 ، 168 ، 169] .
لقد
ترك ((القرآن الكريم)) والسنة النبوية وأحاديث الرسول وكتاب ((نهج البلاغة))
للإمام علي بن أبي طالب تراث كبير في معرفة البوصلة
الهادية لمعرفة واقع المسلمين الحقيقي ، وموقفهم السياسي والعملي المطلوب ، تجاه
المستجدات التي يشهدها العالم في كل يوم ، على الأقل ذلك ما هو معلن
عند كل المسلمين في الإطار العام ، مؤمنهم وغير مؤمنهم . ولما كان كتاب ((نهج
البلاغة)) هو الاِمتداد المعرفي الأصيل للقرآن والسنة ، كون الإمام على بن أبي
طالب هو المختار من قبل القدرة الإلهية الذي منحه العصمة ، كما يعتقد الإماميون ،
فإننا سنقتصر في الإستشهادات التالية على محتوياته التوثيقية .
وذلك عندما نريد رسم المعايير الفكرية للمسلم الإمامي في كيفية
مواجهة الموقف المستجد ، والاستناد عليه عند تحديد المقاييس الموضوعية
لا الذاتية تجاه أي موقف وتقنين المعايير ، ينبغي اِختيار الكتاب الذي لا يناقش
حوله أي مسلم إمامي ، أي أننا سنرتكز على الكتاب الثالث الذي ينسجم روحياً مع كتاب
الله وأحاديث النبي ، [ص] ، كما أعتقد شخصياً
، خاصةً وأننا سبق وأنْ رجعنا إلى
الإمامين الرابع والخامس في نـُصرة الدولة الأموية باِعتبار
سُنتهما مقياساً لاِستخلاص الحكم الصحيح في لحظة رسم الموقف عندما يحتدم الصراع
. والتي يحاول بعض ((كتـّاب الإمامية)) المعاصرين اِعتبار الدولة الأموية
والأمويين ((الكـُفـْر)) كله وقد تجسد في شخوص الخلفاء وتبدى عملياً في حكمهم ،
إنَّ البعض منهم يعتبر الخلفاء هم مقياس التقويم
التاريخي ، وليس تاريخ الحضارة العربية الإسلامية في المرحلة الأموية هي معيار
القراءة الصحيحة للتطورات . وينتخبون ـ مثلاً ـ أيضاً : ((يوم رفع
القلم)) يوماً لسب الصحابة ، وفي المقدمة لعن الخلفاء الثلاثة الأوائل ، من دون
تسجيل القلم الإلهي على الكتفين [كما تقول الروايات] لأي ذنب : صغير أو كبير على
البشر . ومعلوم أنَّ هناك جوانب عديدة في
محتويات ذلك الكتاب : ((نهج البلاغة)) ، البليغ والمدهش والفريد تمس شتى المجالات
، ولكننا سنصطفي الجانب السياسي من الظاهرة الأدبية
والفكرية في ذلك الكتاب ، أي بتجريد حوادثها عن البعدين الميتافيزيقي ،
والتربوي ، [2] .
1 ـ
في البدء لا بد من إيراد التصور الفكري للإمام عن
كيفية التمييز بين الحق والباطل في أية لحظة تاريخية معينة أو محددة يحتدم فيها
الصراع بين طرفين مسلمين ، وليس بين المسلمين المدافعين عن أرضهم
ومالهم وأعراضهم ، من جهة ، وبين الصليبيين
المتصهينين كما يجسدهم المحافظون الجدد ، وبرنامجهم
السياسي المكشوف ، من جهة أخرى .
فهل كان الإمام يضع الذات العَلـَوَيَة مقياساً لمعرفة التطورات وبالتالي
اِتخاذ الموقف الشرعي الملموس تجاهها ؟ أم كان يضع
التطورات الموضوعية لفقه دور الفرد المؤمن أو المسلم في إطارها ،
وبالتالي تفسير ذلك الموقف على ضوئها ؟ .
من
خلال ذلك المعيار ينبغي معرفة القول الشائع في الرؤية الإمامية : الحق مع علي وعلي
مع الحق ، كونه كان يؤكد في أعقد الظروف وأصعبها ، على
الرؤية الكلية للموقف الملموس الكائن ، ومن خلال قراءة موضوعية لأي حدث جدير
بالمواجهة الفكرية ، فعندما واجه أحد
أنصاره في كيفية رؤية مشكلة ما قائمة ، خاطبه قائلاً : ((يا حارث إنك نظرت تحتك
ولم تنظر فوقك فحِـرتْ ، إنك لم تعرف الحق فتعرف أهله
، ولم تعرف الباطل فتعرف منْ أتاه)) ، [ن . ب ، ص 719] ، كان يريد
التدقيق في العوامل كلها فـ((ليست الروية كالمعاينة مع
الإبصار ، فقد تكذب العيون أهلها ولا يغش العقل مَنْ اِستنصحه)) ، [ن .
ب ، ص 724] ، إذن ((الحقُ لا يُعرف بالرجال ، اِعرف
الحق تعرف أهله)) أي مَنْ هم مريدوه وأنصاره ، وأمام نظرة مخالفيه
الذين كانوا يدعون التضامن معه والاِنتصار له ، كانت صرخته المدوية التي تقول : قل الحق ولو كان على نفسك ، كون ((الإيمان أنْ تؤثر الصدق حيث يضرك على الكذب حيث ينفعك ، وأن لا
يكون في حديثك فضل عن عملك ، وأنْ تتقي الله في حديث غيرك)) ، [ن . ب ،
762] ، وبالتالي أعلن ألمه من خلال القول الشائع المعروف : ((ما ترك الحق لي من صديق)) أي من صديق يتبع الحق
بشكل مطلق .
أي
كان ملتزماً بالمعيار الإسلامي الحقيقي لكيفية فهم التطورات ، لذا كان ((الحقُ فيما بلـْغـُه)) كما تجلى في رؤيته الموضوعية
خلال سيرته الحياتية ، وكذلك ، من خلال الموقع السياسي الذي شغله أساساً ،
فالمسألة الأساسية من وجهة نظره كرم الله وجهه ، هي في
رؤية الكل الموضوعي في مختلف الأحداث وشتى التطورات ، لا التقوقع عند
الجزء : كتبوء سلطة الخلافة بعد غياب مؤسس الدولة العربية الإسلامية الرسول العربي
محمد [ص] ، والمؤتمن على تبليغ الرسالة العربية الإسلامية ، مثلاً ، وتصوير الفوز
بمركز الخلافة على أنه قضية القضايا وأساس الرؤية ، خاصة وأنه شدد على ((إنّ أعظم الخيانة خيانة الأمة وأفظع الغش غش الأئمة))
، [ن . ب ، ص 35] .
لقد
اِرتضى كرم الله وجهه أنْ يكون الناصح الأمين للخلفاء الراشدين الثلاثة الأول ،
وقصة منعه للخليفة الثاني عن الذهاب لحرب الفرس والجهاد لنيل الشهادة ، [3] ، أو
سع مدى من أنْ تذكـرَ في هذا السياق ، لذا كان واضحاً في توصيفه لمن ترك القتال في
صـف الحق الموضـوعي ، من خلال القول في تقييمه العام لكل ((الذين اِعتزلوا القتال مع الصف الذي اِختار الموقف الصحيح :
خذلوا الحق ولم ينصـروا الباطـل)) ، [ن . ب ، ص 661] ، إنه أدان الحياد
: مجرد الحياد بالوقوف على التل للتفرج على المتقاتلين المتضادين في الموقف تجاه
الحق ، من أجل الحفاظ على الحياة ، عندما حانت لحظة الحسم المصيري في لحظة الصراع
.
فكيف كان سيكون موقفه الديني المبدئي والسياسي الواضح تجاه
الصفويين الفرس الذين وقفوا مع الأمريكيين الصليبيين المتصهينين : المحافظين الجدد
، في برنامجهم السياسي الواضح ضد العراق من خلال العدوان والغزو والاِحتلال :
والعراق هو البلد العربي المسلم ومجتمعه المسلم ؟ .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] ـ
يرجـِع الكاتب الدكتور علي الوردي ذلك المفهوم أي الصفوي ، إلى ميدان نشوئه
التاريخي والجغرافي بالقول ، ((اِتخذ النزاع الطائفي بين الشيعة والسنة شكلاً
صارخاً أثناء التنافس بين العثمانيين والصفويين على العراق [. . .] قام الصفويون
بدور كبير في تاريخ التشيع ، وقد يصح أن نقول بأنَّ الصفويين خدرّوا مذهب التشيع وروّضوه . فأزالوا عنه النزعة
الثورية التي كانت لاصقة به في العهود السابقة ، وجعلوه مذهباً رسمياً لا يختلف عن
غيره من المذاهب الدينية . وبذلك دخل التشيع في طاحونة السلاطين فاِختفت منه تلك الروح الوثابة التي بعثها فيه على وأولاده على توالي
الأجيال . كان علي بن أبي طالب أنشـودة الثورة في تاريخ الإسـلام كله ،
فأمسـى على يد الصفوية ألعوبة تـُمثـَّل في المسارح ، [. . . ] ، صار التشيع منذ
عهد الصفويين مذهباً قومياً في إيران واِصطبغ من جراء
ذلك بصيغة الغرور القومي وأمسى عقيد سلطانية خامدة ، لا تختلف عن أية
عقيدة أخرى من عقائد السـلاطين ، وأخذ الصفويون يسـتخدمون في دعايتهم)) المذهبية
فئة قرّاء المنابر الحسـينية ، والحسين منهم براء ، والمشعوذين الذين جعلوا
((الدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درت معايشهم)) كما قال الإمام الشهيد الحسين
بن أبي طالب للدرجة التي ـ كما يقول علي الوردي ـ ((صار
اِسم علي سلاحاً بيد السلاطين يستخدمونه في أغراضهم السياسية ، كما اِستخدموا اِسم
محمد واِسم الله)) ، [راجع كتابه المعنون وعّاظ السلاطين : رأي صريح في
تاريخ الفكر السياسي في ضوء المنطق الحديث ،
الطبعة الثانية ـ 1995 ، الصادرة عن دار كوفان ـ لندن / بريطانيا ، ص 248 ـ
249] . ولكن الصفويين أضافوا النزعة الفارسية
((الواعية)) لمصالح الدولة الإيرانية في الراهن الزمني إلى ممارساتهم السافلة ،
وتواطؤهم مع الأمريكيين ، ضد العراق العربي المسلم ، وكان ذلك من بين
أكبر الدلائل العملية على تلك الخدمة الموضوعية أو الواعية للأعداء الغزاة
الصليبيين المتصهينيين ، فهم العامل الأساس في ثني بعض
العراقيين عن مقاومة المحتلين الأمريكيين لأرض العراق في الوقت الحاضر
، وتصريحاتهم المتواترة عن تهديد الأمريكيين والبريطانيين بتثوير العراقيين
جهادياً مسلحاً : من أتباع آل البيت غير الأبيض ضدهما ، برهان جلي على ذلك التماهي
بين النزعة الصفوية على صعيد التعليمات المذهبية ، من ناحية ، والنزعة الفارسية في
عنصريتها المكشوفة ، من ناحية أخرى .
ولكن
هذه الممارســات الفارســية الطـائفية هي الوجه الآخر لطـائفية ترتبط ، بهذه
الدرجة ، أو تلك ، بالرؤى الخرافية من دربشة ودوران حول الذات ، مع صياح : حي . .
. حي ، من دون أنْ تواجه الأمور السـياسـية المستجدة
على الأرض من اِنتهاك صليبي صهيوني للدولة العراقية ، والاِحتلال الأمريكي
الصهيوني للعراق ، وإذا كان النظام الرسمي الإيراني يغذي النزعات
الطائفية بالدعايات والأموال ، فإنَّ آل سعود ، في سياق خطة سياسية مؤيدة للمخططات
الأمريكية ، يجزلون عطاياهم للأحزاب والمنظمات [التي تدعي الإسلام] الأخرى ، كحزب
الأخوان المسلمين المسمى : الحزب الإسلامي العراقي ، الذي يقوده طارق الهاشمي الذي
كان ممثله : أسامة التكريتي فارس الندوات التلفزيونية المضـادة للعراق والداعية
لاِحتلالـه ، بغض النظر عن النوايا والأحاديث
التضليلية المخاتلة ، مثلما شكل حضور مندوبه إياد السامرائي مؤتمر لندن
الذي مولته المخابرات المركزية في نطاق مخططها السياسي والعسكري الهادف لاِحتلال
العراق ، المثال الآخر على ممارسة حزب الأخوان
المسلمين تجاه الحاضر الأمريكي المحتل للعراق . مثلما شكلت ممارستهم
يوم أمس [أي في المرحلة الناصرية] تجاه الحركة القومية الحديثة من خلال حضور
المؤتمر التأسيسي لما يسمى برابطة العالم الإسلامي ـ الذي أشرف على قيامه مَن دعا
القوات الصليبية لتدنيس أرض الجزيرة العربية : فهد بن عبد العزيز ـ في السعودية في
عام 1965 الذي حضره أمجد الزهاوي ومحمود الصواف وآخرون جنباً إلى جنب عبد الهادي
الجلبي [والد أحمد جلبي] وباقر حكيم وغيرهم . أما عدنان الدليمي صاحب السدارة
والدعوات الطائفية ، وغيرهم ممن قبضوا أموال آل سعود وملك البحرين ، والذين ووجهوا
بالنقد الصريح في حينها ، وحزب الحركة الإسلامية الكردية الذي يقوده علي عبد
العزيز وبمعيتهم آخرين ، فهم في عملهم ذاك يخدمون المخططات السعودية الأمريكية
لإيجاد الشرخ التفتيتي العمودي في العراق .
إن الجهاد الإسلامي ضد المحتلين : الأمريكيين الصليبيين
الصهاينة ، والشهداء الصديقين الخالدين الذين يقدمون أرواحهم الزكية فداءً في سبيل
المباديء الحضارية العربية الإسلامية ، والأرض العراقية والوطن العراقي والمجتمع
العراقي ، لهي أوضح دلالة وأكثر إضاءة من محاولات البعض الاِتجار ببعض عمليات
الإعلام المسلح التي يجري تسلط الأضواء التلفزيونية التي تدور بفلك طغمة آل سعود
العميلة عليها ، من ناحية ، أو الإيحاء بكونها على صلة بالعمليات البطولية ضد
الأعداء الغزاة المحتلين ، التي تحاول أجهزة الإعلام العربية إسـدال سـتار تضـليلي
كثيف عليها ، من ناحية أخرى . .
[2] ـ
((التجريد)) : كما يقول أحد المناضلين العرب المخلصين هو ((مفهوم يعكس ما هو رئيسي
وجوهري في الشيء . . . الظاهرة موضوعة التحليل والاِستقراء . . . أما التأمل الحي
فيعكس ظواهر الواقع عكساً مباشراً ، في حين أنَّ التفكير المجرد يتجه إلى معرفة
العلاقات الداخلية المقنونة بين الأشياء والظواهر ، أي أنَّ جوهر التأمل الحي ينصب
على معرفة خواص ما هو وحيد ومنفرد . التأمل الحي : تأمل حسي . أما التفكير المجرد
فإنه قفزة نوعية في تطور المعرفة من الحسي إلى التفكير المجرد . التأمل الحي . . .
الحسي ، تأمل يعكس خصائص ما هو وحيد ومنفرد ، والتفكير المجرد يعكس الواقع بشكل
مفاهيم . . . تجريدات عامة لجوانب منفردة من الشيء . . . الظاهرة ، بيد أنَّ
اِبتعاد الفكرة عما هو محسوس لا يعني الاِبتعاد عن الحقيقة فيما إذا كان التفكير
صائباً)) . [راجع كتاب الفقيد هاشم علي محسن المعنون المرحلية والتشويه الاِنتهازي
للهدف المرحلي ، إصدار الدار اللبنانية للتوثيق والنشر والتوزيع ، الطبعة الأولى
الصادرة في شهر أيار من عام 1986 ، من دون
ذكر لمكان الصدور ، وإنْ أشارت المقدمة المنشورة على الصفحات 7 ـ 11 ، إلى صدورها
في بيروت / لبنان ، ص 262] .
[3] ـ
من المعروف أنَّ الصفوية الفارسية اِستطاعت بأساليب ماكرة ودعوات أيديولوجية زائفة
توجيه الكـُره الشامل والعميق عند أتباعهم ضد الخليفة الراشدي الثاني : عمر بن
الخطاب ، للدرجة التي جعلوا هناك يوماً أسموه ((فرحة الزهرة)) وهو يوم مخصص لسباب
الخليفة الراشدي الثاني [رض] خصوصاً . والاِحتفال بيوم اِغتياله : يُرفع فيه القلم عن تسجيل الذنوب عند الإنسان ،
فيمكن عند ذاك لأي فرد سب الخليفة كما شاء وبأقذع الألفاظ ، من دون حساب وفق
مزاعمهم أو محاسبة على الذنوب . وقد مارس كاتب هذه السطور طقوس مخجلة ، جماعية
وعلنية يأنف من إيرادها ويمتقع اليوم عن ذكر كلماتها وأقوالها وأشعارها وشعاراتها
القبيحة ، بحق الخليفة الراشدي الثاني عندما كان طفلاً غير واعٍ لسـيرورة التاريخ
العربي الإسلامي . واليوم يحتفل الفرس بذات اليوم في
مدينة شاه عبد العظيم ، حيث أقاموا مرقداً للمجوسـي أبو لؤلؤة منذ سنوات طويلة
، يرددون موبقاتهم عنه ، مقترنة بتمثيليات فاحشة تتطلع عليها نساؤهم من علٍ ،
النساء اللائي يعدن الأكلات والكرزات المختلفة فرحاً بفعلة ذلك المجوسي : غلام
المغيرة بن شعبة ، فعلته المجرمة بحق فاتح بلاد الفرس والقاضي على الدين الزرادشتي
.
ولكن
ماذا كان موقف الإمام علي بن أبي طالب [ك] من الخليفة الراشدي الثاني ، [رض] ؟ .
يلخص موقفه العملي والنظري بالحرص على حياته كقطب
إداري للدولة العربية الإسلامية ، ومقامه السياسي في مركز رئاسة الخلافة : العنوان
الأبرز في المعاني السامية للمجتمع العربي الإسلامي ، من خلال نظرة
كلية للتاريخ العربي الإسلامي ، لا الرؤية الجزئية أو العصبية التجزيئية ، لنقرأ
التالي وقد اِستشاره عمر بن الخطاب في الشخوص لقتال الفرس بنفسه ، من أجل نيل
بركات الاِستشهاد فكان موقفه التالي : ((ومكان القيِّم
بالأمر {القائم بالأمر به يريد الخليفة
. والنظام : السلك ينظم الخرز ، كما يشرح ذلك محمد عبده} مكان النظام من الخرز يجمعه ويضمه . فإنْ اِنقطع النظامُ تفرَّق وذهب ، ثم
لم يجتمع بحذافيره أبداً . والعرب اليوم وإنْ كانوا قليلاً فهـم كثيرون بالإسـلام
، وعزيزون بالاِجتماع ، فكن قطباً ، واِستدر الرحى
بالعرب ، وأصْلِهِم دونك نار الحرب ، فإنك
إنْ شخصت {أي خرجت} من هذه الأرض اِنتفضت عليك العرب من أطرافها وأقطارها ، حتى
يكون ما تدع وراءك من العورات أهم لديك مما بين يديك . إنَّ الأعاجم إنْ ينظروا إليك غداً يقولوا هذا أصل العرب فإذا قطعتموه
اِسترحتم ، فيكون ذلك من أشَد لِكـَلـَبهِم عليك وطمعهم فيك.)) ، [ن .
ب ، ص 316] ، ولكن علماء الفرس الصـفوين خالفوا رغبة وتشـخيص الإمام الرابع كرم
الله وجهه ، وجعلوا التناقض بين الخليفتين : أي بين الصحابي الجليل عمر بن
الخطاب والرجل الأول في رؤية تعاليم أهل البيت الإمام علي بن أبي طالب ، من بديهيات التعاليم الصفوية الفارسية ، بالرغم
من أنَّ الإمام علي بن أبي طالب قد وصف الخليفة الراشدي الثاني عند الممات بالعادل
والتقي وفارق الفتنة وأقام السنة ، وهو تعبير دقيق
ينطوي على التقويم الأخير لمسار حياته . . . وصفه بالتالي : ((فقد قـوم الأود وداوى العـمد . خَلـَف الفتنة وأقام السـنة .
ذهب نقي الثوب ، قليل العيب ، أصاب خيرها
وسبق شرها . أدى إلى الله طاعته واِتـَّقاه بحقه)) ، [ ن . ب ، ص 498]
.
12 / 3 / 2006 باقر الصراف
كاتب عراقي مقيم في
هولندا