التحالف الوطني العراقي

    اِنبثق التحالف الوطني العراقي نتيجة الظروف الموضوعية التي أحاطت بالوطن العراقي في أعقاب العدوان الأمريكي الواسع في 17 كانون الثاني من عام 1991 . لكن الوعي السياسي بأهمية ولادة الأداة التي تسـتجيب للتحديات المصيرية في إطار الرد على الرؤية السياسية الغربية الأمريكية بدأ بالتبلور بقوة ؛ أكثر من ذي قبل ؛ في أعقاب قرار فرض الحصـار الشــامل على الدولة العراقية في يوم 4 / 8 / 1990 ، وما ترتب عليه من خطوات عملية رئيسة تمثلت في إيجاد تحالف سياسي : دبلوماسي وعسكري واسع النطاق ومتعدد المهام ومتنوع الخطوات ضد الدولة العراقية بغية تحطيم النهضة العلمية العراقية وإبادة المنجز المادي الذي تحقق وتدمير قوة العراق في كل النواحي : لاسـيما الجيش العراقي الباسل لأسباب إستراتيجية غربية وصهيونية . . . تتعلق بالثروة النفطية ومشتقاتها ،  وكيان الاِغتصاب الصهيوني أداة العدوان الرئيسة على العرب ، والتواجد العسكري الأمريكي وحلفائه في أراضي المنطقة العربية ومياهها وأجوائها.

    في إطار تلك النظرة السياسية حول الأزمـة السياسية التي شهدتها المنطقة العربية في العقد الأخير من القرن الفائت : تكوَّنَ التحالف الوطني العراقي ، بعد أنْ شهد الوطنيون العراقيون المتنورون ممن مارسوا عملاً سياسياً مديداً من أجل حياة حرة خالية من سطوة الحوار الخشن بين عموم القوى الوطنية العراقية الذي جرى خلالها : أي السـطوة الظالمة وكذلك توظيف أجهزة الدولة العراقية القمعية ضد الآخر . . . بعد أنْ شهدوا خطراً أجنبياً إسـتراتيجياً ماثلاً في اللحظة التاريخية تلك وقادماً مؤكداً على العراق .

     باِعتبار أنَّ التحالف الوطني هو في محتواه الحقيقي ومبناه الفعلي : تجمع فكري وسياسي يضم في صفوفه تنظيمات عدة ، وشخصيات متنوعة يجمعها الوعي السياسي المشـترك المنبثق عن رؤية سياسية وطنية عامة ، وذات مشارب فكرية وسياسية وقومية متباينة ، إلا أنه يناضل في سبيل برنامج مشترك يمثل اِتجاهاً سياسياً وطنياً موحداً ، تنبع رؤاه من الأساس الموضوعي للتصورات الفكرية ودرجة التطور التي يشهدها المجتمع العراقي بالاِرتباط مع أفقه العربي المرجو ، وعلى أرضية الثقافة الحضارية العربية الإسلامية وتراثها الضارب الجذور المتواشجة في أعماق التاريخ .

    كانت رؤى التحالف الفكرية والسياسية تنبع أواصرها الأساسية من مفهوم الوطن العراقي والمجتمع العراقي والمؤسسات الناظمة لفعلهما المتناغم المشترك التي تطورت منذ العام 1921 في أعقاب الثورة الوطنية الكبرى : ثورة العشرين المباركة التي اِندلعت في الثلاثين من حزيران عام 1920 وقضى في سبيل إرساء نتائجها السياسية ألوف الشهداء وملايين ضحايا الجور والاِضطهاد والقمع . كان الإنجاز الأساسي من تلك الثورة الشـعبية المسلحة التي حددت معالم الصراع بين الذات الوطنية القومية الحضارية ، من جهة ، والقوى الاِستعمارية البريطانية ، من جهة أخرى ، قد أتى أُكلهُ على صعيد تحقيق الهزيمة العسكرية البريطانية وإِجبار إدارتها الاِستعمارية على الاِنتقال من إدارة الوضع السياسي العراقي بالأيادي الإنكليزية بشكله الكولينيالي : الاِنتداب المباشر إلى إدارة الوضع السياسي العراقي بصورة غير مباشرة .

     وقد اِسـتمر الكفاح الوطني العراقي من خلال فعاليات المجتمع العراقي المشتركة يراكم فعله السياسي ضد : المحتلين البريطانيين حتى جاءت سنوات الحرب العالمية الثانية وما شهدته التطورات السياسية العالمية جراء ضعف الدول المتصارعة المتحاربة بين الدول الرأسمالية الإمبريالية ، فاِنتفض الشعب العراقي في حركته الوطنية الكبرى التي توحد فيها المدنيون والجيش ضد المستعمرين وتمكنوا من إخراجهم وطرد عملائهم من العراق ، ولكن البريطانيين عبر قواتهم المجلوبة من قواعدها العسكرية المنتشرة آنذاك في جنوب أفريقيا والهند والأردن قد تمكنوا من اِحتلال العراق عسكرياً مرة أخرى في عام 1941 بذرائع متعددة سوقتها الدعاية السياسية البريطانية .

      وأقدموا في إطار رؤيتهم السياسية الاِستعمارية على تقليص عدد الجيش إلى الثلث ـ ناهيك عن ضرب مفاصل تطوره في كل الجوانب ـ وزيادة قوات الشرطة المخصصة لأمن المستعمرين والحفاظ على الحكام المجلوبين من الخارج لخدمة الإستراتيجية البريطانية بعد هربهم إلى ثلاثة أضعاف ، لم تكن الإِجراءات البريطانية اِقتصرت على ذلك الصعيد فقط ، وإنما شملت كافة الميادين الأخرى التي تهم الشعب العراقي والأمة العربية  .

    ولكن الكفاح الوطني العراقي اِستمر بالتصاعد فكانت ثورة 14 تموز عام 1958 منعطفاً أساسياً على طريق التحرر السياسي والتخلص من الاِستعمار الإمبريالي الأجنبي ، مثلما شكل تأميم شركات النفط والقضاء على مصالح مؤسساتها بالعراق في 1 / 6 / 1972 خطوة جوهرية على درب التحرر الاِقتصادي للعراق ، والذي شـكل الدخلُ الناجم عن تصديره الحر التدشـينَ العملي للتنمية الوطنية العراقية على كل الصُعد . . . مثلما جرى تطوير القوة العسكرية العراقية . وعلى طريق النهوض العلمي تم إنجاز خطوات ملموسة لتوطين التقنيات الحديثة في العراق في نطاق صرف الدولة العراقية لحوالي تسعين ملياراً من الدولارات للبحوث العلمية ، وتكوين إطارات علمية عراقية عبر الاِهتمام بالدراسة والتربية وتحقيق خطوات نهضوية ملموسة في ميدان التقدم المعرفي . والمعرفة هي قوة  ، كما يقال وتُعَـرَّف .

     كان التحالف الوطني العراقي يلتقط هذه التطورات الموضوعية وفق نظرة سياسية متفائلة كثفها عمل الدولة العراقية التي هي ثمرة جهود كل العراقيين منذ الثورة الوطنية الكبرى . . . ثورة العشرين ، لذا كان من أولى مهامه الوطنية هو الحفاظ على الوحدة الاِجتماعية الوطنية العراقية ومناهضة التطلعات الأمريكية في مرحلة عولمتها المتفردة بالقدر الذي يستطيع ، ولا يضيف التحالف أدنى جهوده السياسية في أي مجال مكاني وزماني كان : للرؤية الفكرية الغربية الأمريكية في مرحلة عولمتها المتسلطة الغاشمة .

    وأكدنا على أنَّ التحالف الوطني العراق يتقدم ((بمشروعه السياسي الحديث بصيغة برنامج يجد طريقه إلى المواطنين بوسائل عديدة ومختلفة ، تبعاً لاِختلاف المجتمعات في طريق إدارتها للشؤون العامة للمجتمع ، إنَّ نجاح أو إخفاق أي برنامج إنما يرتبط بما يتوفر للمواطنين من فرص تمحيص أو اِختبار لذلك البرنامج ، أي بالفاعلية التي توفر لهم قدرة المساهمة في بناء مجتمع مستقر ، أو بغياب تلك الفاعلية مما يدخل المجتمع والدولة معه في حالة اِضطراب دائم . . .

    إنَّ مسألة إدارة الشأن الوطني في ((الحقب الهادئة)) منوطة بذلك ((السباق)) في البرامج وممثليها من قوى الشعب المنظمة أو الجماهير المستقلة ، على أنَّ حقب ((الأعاصير)) بما تشير إليه من لحظات ساخنة ومصيرية كتلك التي تنتج عن الحروب التدميرية ، تقلِّص من ساحة ذلك ((البرنامج التسابقي)) ودون أنْ تلغيه ، فيتقدم إلى الأمام ذلك المسعى المشار إليه : بالمصالحة الوطنية ، حيث يدرك المجموع بأنهم في مواجهة عدو مشترك وأساسي لا يقدر طرف بمفرده من مجابهته مهما اِمتلك من أدوات المواجهة)) . 

    ولكن التحالف الوطني العراقي طرح رؤية سياسية ملموسة أيضاً ، قوامها الأساس : برنامج المصالحة الوطنية داخل العراق لمواجهة الخطر الخارجي . الأساس في هذا البرنامج هو ضرورة العيش المشترك في ظل حياة سياسية ينتظمها تشـوف حياة سياسية ديموقراطية ملموسة يكفلها القانون الذي ينظِّم العلاقات بين السـلطات ، وكذلك بين المؤسسات وأفراد المجتمع . . . على أرضية فهم دستوري معلن ومكشوف أمام الجميع مثلما هو ملزِم للجميع : حاكمين ومحكومين بهدف تعزيز الصمود الوطني المواجه للعدوان الأجنبي والمستعد لمجابهة الغزو المحتمل في نطاق مشاركة المجموع الوطني العراقي في الغرم والغنم .

    لقد واصلت جريدة التحالف الوطني العراقي : جريدة ((نداء الوطن)) الذي كانت على سبيل الطموح السياسي المنشود تتطلع لصيرورتها : منبراً للرؤية الوطنية العراقية . . . صوتاً للتيار الوطني العراقي . . . واصلت طريق التحريض السياسي الوطني وترصين الرؤية الفكرية للتحالف الذي حملته مذكرته الفكرية والسياسية الصادرة في عام 1993 التي توجهت بندائها إلى أبناء شعبنا عبر القول التالي : ((نحن الموقعين أدناه من أبناء العراق في الغربة عرباً وأكرادا ً وتركمان ، رجالاً  ونساءً وشبيبة ، مستقلين وبعثيين وقوميين وشيوعيين وماركسيين وناصريين وديمقراطيين ، مسلمين ومسيحيين ، ورجال علم وإبداع وثقافة)) ندعو ((للحوار الوطني الشامل)) بغية التوصل إلى ((ميثاق توافق وطني عام)) أي ضرورة الاِعتماد على الذات الاِجتماعية العراقية .

    إنه نداء سياسي واضح يستهدف بالأساس الاِعتماد على الذات الاِجتماعية العراقية لمعالجة أزمة المآزق السياسية التي تواجه الوطن والمجتمع بهدف إنقاذ العراق من الأشباح العدوانية الرهيبة التي تلوح في أفق أعمال الأعداء الأمريكيين وحلفائهم .

    فعمقت رؤيتها السياسية على ضوء محتويات وثيقته التأسيسية الأساسية في 20 حزيران 1992 على أرضية فكرية وسياسية واضحة : ((الدفاع عن وطننا المقدس : أرضاً ووحدة وحدود وسيادة ومصالح . الدفاع عن حقوق شعبنا في نيل حرياته الديموقراطية بشتى أشكالها وفي كافة حقولها الحياتية في الدولة والمجتمع)) ودفعت به للشمول والتنوع والتجذر في مؤتمر التحالف الوطني العراقي الثاني الذي اِنعقد بتاريخ 30 / 9  ـ 1 / 10 / 2000  بالعاصمة البريطانية : لندن الذي أكد وثائقه المكتوبة خلاله فيه ذات المنطلقات السياسية والفكرية .

     وكان لرحلة الحوار الوطني إلى العراق التي اِستغرقت المدة الواقعة بين يومي 11 / 11 / 2002 ـ 18 / 11 / 2002 وما تضمنه البيان السياسي التحليلي والتوضيحي الذي أصدره التحالف الوطني العراقي في أعقابها يوم 18 / 12 / 2002 . وكذلك عقد مؤتمره في باريس عشية العدوان على الدولة العراقية في 7 ـ 9 / شباط / 2003 وإصداره الوثائق الفكرية والسياسية التي يمكن مراجعتها نظراً للأهمية الحيوية والصادقة في اِرتياد ذلك الطريق والعمل الملموس في نطاق عمل البرنامج السياسي الوطني الذي يستكشف المهمات على ضوء المتطلبات الوطنية الراهنة القائمة آنذاك .

    لقد شهد العراق تطورات سياسية ملموسة وكبيرة طوال الأربعة عشرة عاماً الماضية كثَّفت في حقيقتها الفعلية مسألة التناقض الرئيسي بين طرفي الصراع الأساسيين : الدولة العراقية من جهة ، ودولة الولايات المتحدة الأمريكية ، من جهة أخرى ، وعلى جانبي الموقف السياسي من هذا الصراع الإستراتيجي جرى توظيف جهود كل الأطراف السياسية العراقية على شتى الصُعد .

     وكان الطرفان الأساسيين يعبئان قواهما بقوة وعلى كل الصُعد والنواحي ؛ وإذا كان الطرف الغربي الأمريكي قد نجح في حشد جهوده الملائمة للعدوان العسكري الغاشم ، فإنَّ الطرف الوطني العراقي بمجموع قواه لم يستطع إنجاز محتويات برنامج المصالحة الوطنية الحقيقية بين قوى المجتمع العراقي مما ترك ثغرات إستراتيجية واسعة في طبيعة المواجهة الشاملة ضد الأعداء الإمبرياليين في مرحلة إدارة جورج بوش الصغير ورؤيتها الفكرية السـياسـية التي يسطّرها المحافظون الجدد ورؤيتهم لآفاق الحرب الإِستباقية على العالم كله ممن ترفض دولهم مبدأ جورج بوش السياسي : من ليس معنا فهو ضدنا .

    جاءت الحرب الأمريكية على العراق الذي شنّ الجيش الأمريكي والجيش البريطاني قبل عام تقريباً من مؤتمرنا هذا : أي في العشرين من آذار عام 2003 وما نجم عنه من اِحتلال عسكري شامل وبغيض للعراق لتفضح كل ذرائع العدوان الأمريكي على المجتمع العراقي والوطن العراقي والدولة العراقية ، فبعد سنة مضت على الوجود العسكري الأمريكي والبريطانيين الاِحتلالي الغاشم في العراق لم يستطع الأمريكيون وحلفاؤهم إيجاد أي وثيقة فكرية أو سياسية أو مظهر عملي فعلي يدل على وجود أسلحة الدمار الشامل ، أو الكشف الواضح عن أية علاقة ملموسة أو غير ملموسة بين العراق وما يسمى بتنظيم القاعدة ، وهي الذرائع الأساسية المخاتلة التي سوقتها الدعاية السياسية الأمريكية وتوابعها للعالم كله بغية العدوان العسكري الواسع والمتعدد الوسائل والأشكال على الدولة العراقية التي اِنتهت باحتلالها الشامل .

     وبذلك دخل العراق مرحلة سياسية جديدة ، تقتضي خيارات جديدة تنبثق من الواقع السياسي الملموس . وفي أعقاب هذه المرحلة الجديدة من تطور الأحداث السياسية على الساحة العراقية ، أقدم التحالف الوطني العراقي على عقد اِجتماعه الموسـع والمشـترك بين لجنته القيادية وهيئته القيادية اللتين اِنتخبهما مؤتمر باريس العام في إحدى الدول الأوروبية بتاريخ 17 / 5 / 2003

    ولقد نجم عن ذلك الاِجتماع المشترك البيان التالي الصادر عن الهيئتين : ((. . . لم يكن للعدوان الأمريكي أنْ يأخذ كل هذا الزخم وقوة الاِنتصار العسكري ، لو أنَّ المنظومة الفكرية والسياسية لمفاهيم المصالحة الوطنية العراقية اِنتظمت كل جوانب المجتمع الحياتية ، وساد برنامجها الحواري بين صفوف كل قوى المجتمع العراقي الحيَّة ، وتم وضع الشخص المناسب في المركز المناسب لقدراته وتاريخه . إنَّ تدفيع العدو لثمن حماقة الغزو والسطو المسلح كان يتطلب الاِعتماد على الشعب بدلاً من وضع الخونة وضعاف النفوس والمرتعبين على مراكز القوة العسكرية ، وإِيـلاء القادة المخلصين مهمة اِستخدام القوة التكنولوجية المدافعة عن بغداد الرشيد والإسلام ، وجعلها شركاً لقواته الغازية يؤدي لقتل أفراده ، إنَّ الاِنهيار المعنوي الذي أصاب شعبنا العراقي والعربي ألحق بقضية شعبنا الوطنية والقومية والحضارية ضرراً واسعاً ، وترك للاِنهزاميين الفرصَ المواتية لبث سمومهم عن صلابة شعبنا المكافح ، مثلما وفَّـر للعملاء الصغار الذين رافقوا قوات الغزو وأتباعهم المناسبةَ الخاصة لثلم وطنية شعبنا المجاهد ، وتصويره على أنه مجرد طوائف وأثنيات وشراذم مناوئة للوطن ومعادية للأمة)) .

    ودعا التحالف في نهاية رصده للواقع العراقي الملموس جميع أفراد شعبنا ، وفي المقدمة منهم أنصار الرؤية الوطنية إلى ((الاِستبسال في مقاومة المحتلين العتاة الأوغاد والتصدي لهم بكل الوسائل)) والتأكيد على ضرورة توحيد الجهود الوطنية لشعبنا وتنمية فعلهم في إطار جبهة وطنية واسعة ومتحدة ، والأخذ بخيار ((إستراتيجية المقاومة المستمرة الواسعة والمنظمة بهدف تحرير بلادنا من ربقة الاِحتلال ورجس الغزاة)) بهدف واضح قوامه التأكيد على ((وحدة الوطن واِنتمائه العربي الإسلامي ، وحق الشعب في رسم مستقبله على ضوء مصلحته الوطنية ، لا لخدمة مصالح الاِستعماريين الإمبرياليين الغزاة)) .

    وفي نطاق ترجمة رؤيته الوطنية أصدر صحيفة ((نداء المقاومة)) المزينة بشـعارين إستراتيجيين هما : نحو جبهة وطنية موحدة للمقاومة والتحرير ؛ والعراق باقٍ والاِحتلال إلى زوال ، وعمل التحالف الوطني العراقي من خلالها ومن خلال عمله المقاوم لتحرير الوطن على ترسيخ مبدأ رؤية العجز الأمريكي في بقائه محتلاً لإرادة العراقيين ، من جهة ، وفي سبيل اِنتهاج سياسة وطنية مستقلة يتطلع فيها المجموع العراقي إلى دولة موحدة وذات سيادة حقيقة ، وعمل حثيثاً على توحيد الجهود الوطنية الرافضة لقوى الاِحتلال : في جبهة وطنية موحدة للمقاومة والتحرير ، وتوضيح الأفق السياسي الوطني لكل النشاط الكفاحي للوطنيين العراقيين .

    كان واضحاً لكل عينين مراقبتين ودقيقتين راصدتين تتسمان بالموضوعية السياسية الحيوية والرؤية الفكرية المستقيمة والتسجيل الأمين لكل التطورات أنَّ كل أماني العدو الأمريكي المحتل قد تبخرت سريعاً رغم إقدّامه على حل القوات العراقية المسلحة والقضاء على الدولة وإلغاء الأجهزة الإعلامية كلها في زمن العولمة الإعلامية وموقعها الحيوي في ميدان الاِتصالات ، فبعد التصريحات المتتالية حول بقاء الغزاة المحتلين في العراق لمدة عشر سنوات وحكمهم المباشر لشعبنا فقد اُضطر المحتلون للإعلان عن تسليم السلطة الأساسية  ـ ولو كان ذلك نظرياً ـ لبعض العراقيين ، وقاموا بإجراءات تتعاكس والغطرسة التي كانت تنمّ دائما عن تصرفاتهم الحمقاء المغرورة بالعسف والقصف .

    لقد كانت المقاومة الوطنية الشعبية المسلحة والنضال المطلبـي المتعدد الوجوه والمتنوع الأشكال تسير في كل عناصرهما التي تتجسد فعلاً يومياً باسلاً . . . تسير في تناغم مستمر ومتصاعد ومبدع مما ألحق خسائر فادحة بالعدو المحتل ، وهي اللوحة الإجمالية التي حملت أنباء تفجير العبوّات الناسفة بالقوات المحتلة ، واِصطياد جنود العدو المحتل وعساكر المتحالفين مع الأمريكيين ، وإسقاط طائراته وكتم أنفاس أفراده المحلقين بالجو ، وقصف مركز تجمعاتهم بمدافع الهاون ، وملاحقة رموز المحتلين لقتلهم ، وإشعال النيران بالثروات التي جاؤوا لنهبها ، من جهة ، مثلما أجملت المقاومة الكفاحية الشـعبية في كل نضالها الحاجة إلى الاِتصالات الهاتفية والمواصلات في النقل ، وإيصال الطاقة الكهربائية وتلبية الحاجات الغذائيـة والدوائية والقضاء على البطالة ، وقبل كل ذلك توفير الأمان الذي بات مشكلة عراقية يومية ، وبات خلالها العالِم والمبدع والأستاذ والضابط اللامع مقتولاً بأيدي أجنبية لا تخفى سماتها على أحد ، من جهة أخرى .

     إنها المقاومة الشعبية : العسكرية والمدنية التي فرضت على سلطة الاِحتلال حتى تعيين المجلس الحاكم / المحكوم رغم ترديد أقسام هامة من تكوينه البنيوي الدعايات السياسية للرؤية الأمريكية : وسلطتها المحتلة المسؤولة عن كل الاِنفلات الأمني في العراق .

    التضحية في سبيل وحدة الوطن ومستقبل مجتمعه في التقدم والتطور هي الحقيقة الرئيسة في هذه المرحلة ، وهي التي اِفتتحت سجل تأسيس الدولة في أعقاب الحرب العالمية الأولى ، واِنتظمت فعل الوطن منذ ذلك التاريخ وإلى الوقت الراهن ، وسيمتد ـ كذلك إلى المستقبل ـ وسيكون السمة الأساس لكل فعل وطني حقيقي وملموس ، . ولقد شكل الاِستقلال الوطني وتحقيق السيادة السياسية المهمة الإستراتيجية الأولى والشمولية الكلية التي اِستجرت وبالضرورة أرواح كل العراقيين الوطنيين للتضحية الطوعية الملموسة . والوعي السياسي الوطني هو المنظومة الفكرية التي تشبَّع فيها المواطن العراقي بكل مفرداتها المتنوعة في آصرة الوطن العراقي ، وفي كل المؤسسات التي تكونت في زوايا الوطن ومفارقه . وستكون كذلك المنظومة الفكرية للتحالف الوطني العراقي الذي يبادر المؤمنون بأفكاره ، ويتفانون في ميدانه على طريق : ((العراق باقٍ والاِحتلال إلى زوال)) .