ممدوح حمزة فى ذكرى تأسيس السد العالي:

 


فلسفة للتنمية وعبقرية فى القرار



»
بعد 100 يوم من الثورة كان المشروع على مكتب عبدالناصر »ما يحدث حاليا ليس فسادًا قدر ما هو غباء »الحكومة الحالية تحتاج إلى علاج نفسي..
عايزين يحطوا المصريين فى المقابر والعشوائيات »الخطر الحقيقى على حصة مصر من المياه يأتى من السودان »الصين تدعى الصداقة وتساهم فى بناء
سدود فى دول المصب »الكفراوى نفذ مهام مستحيلة ومدرسة السد قدمت أفضل المهندسين لمصر
الحوار مع الدكتور ممدوح حمزة الرجل الذى ملأ الدنيا جدلا بإبداعاته له طابع خاص، وإبداعات حمزة تضيف إلى مصر واحدا من أعلامها الذين كانوا ومازالوا يمثلون ركنا من المشروع الحضارى المصرى العربى الذى بزغ منذ آلاف السنين، ومازال قائما بإبداعات هؤلاء الذين استعاض البعض عنهم بخبرات أجنبية .
الدكتور ممدوح حمزة الحوار معه له أيضا مذاق خاص إن كان عن السد العالي.. مشروع مصر الحضارى والتنموى والمواجه لأوهام الاستعمار، المجسد لعزة وكرامة هذه الأمة فى مواجهة من أرادوا إخضاعها فنهضت ورفعت رأسها "بأموالنا"، و"إيد عمالنا".
وفى احتفال نظمه المؤتمر الناصرى العام يوم 9 يناير الماضى كرم فيه 450 من بناة السد، كرم أيضا الدكتور ممدوح حمزة الذى حصل على الماجستير من لندن حول السد العالى وعمره 23 سنة.
بدأ الدكتور ممدوح حمزة حديثه لـ"العربي" بكلمات للراحل صلاح جاهين: "إحنا كفر المقاتة.. عاوزين بوابير حراتة.. إحنا منية مليج.. عاوزين بوابير حليج.. إحنا شبرا العلاوي.. عاوزين مصنع كيماوي.. إحنا محلة شديد.. عاوزين مصنع حديد"..
وبتلقائية شديدة يتحدث حمزة منطلقا دون توقف.. "9 يناير يوم السد.. أول يوم فى تاريخ المجد".. لا يمر 9 يناير من كل عام على الدكتور المهندس ممدوح حمزة دون أن يتذكر هذه الكلمات التى كان يرددها فى طابور الصباح فى المدرسة وعمره 12 سنة، وتمر السنوات.. ويعود حمزة إلى المكان نفسه، يقول الدكتور ممدوح:
ـ أفتكر فى 2001 أو 2002 حين افتتح الرئيس مبارك محطة توشكى كان شيء جميل جدا أن الافتتاح كان فى 9 يناير، وحيث إن مشروع توشكى كان أحد المشروعات المكملة للسد العالى فى ذلك الوقت، بل كان الخطوة التالية التى كانت المفروض أن تتم وكانت مجدولة إلا أن حرب 67 ثم وفاة السيد الرئيس جمال عبدالناصر، ثم تولى السادات "اللى كانت عنده ارتكاريا من السد العالى كانت مسبب له حساسية غريبة لدرجة أنه أما جه مشى صدقى سليمان العالم والمهندس الخطير الذى حمل السد على أكتافه" وأتى أيضا بمهندس فاضل وهو حلمى السعيد لدرجة أن حلمى السعيد نفسه قال للسادات "يافندم صدقى سليمان أحق بالاستمرار فى الوزارة"، وحُرم صدقى سليمان من حضور افتتاح السد العالى بالرغم من دعوته لكن كبرياءه منعه، ماذا يفعل فراعنة مصر بأبنائها المخلصين؟ لكن هذا الفعل من الفراعنة فى حق خبراء البلد لا يزال مستمرا إلى الآن.. المهم، إن توشكى فكرتنى بـ9 يناير "يوم السد أول يوم فى تاريخ المجد" والتخطيط لمشروع السد العالى كان فى المائة يوم الأولى من الثورة، لكن كان هناك عداء شديد من القوى الاقتصادية فى ذلك الوقت اللى هو الإقطاع والرأسمالية وكانت البلد محتلة من إنجلترا فى ذلك الوقت.. هذه هى عبقرية السد، وهذه هى أيضا عبقرية جمال عبدالناصر.
قصة السد العالي
يروى العالم المصرى الدكتور ممدوح حمزة قصة السد العالى الذى حصل فيه على الماجستير من أعرق الجامعات البريطانية، ويقول:
ـ فى بدايات 1954 كان هناك تصميم كامل قام به مكتبان أوربيان بناء على تكليف من مجلس قيادة الثورة التى عمرها سنتان وعمر زعيمها 36 سنة.. أنا أرجو من السادة القراء اللى عمرهم 36 سنة الآن أن يتصورا أن رجلا فى سنهم يقود ثورة ضد الاقتصاديين والسياسيين فى مصر فى ذلك الوقت وأن يقوم بمجرد التفكير فى بناء سد على نهر النيل.. ثم طلب من خبراء مصر من أساتذة ومهندسين بمراجعة هذا التصميم وتم ذلك فى آخر سنة 1954 شاملة المواصفات والعطاءات والشروط، وكان جاهزا للعرض فى آخر ديسمبر 1954..
..
تم تقديم المشروع للبنك الدولى اللى عبارة عن.. "البنك اللى بيساعد ويدي"، وكان ذلك فى ديسمبر 1955، فرد البنك فى 17 ـ 7 ـ 1956، قال "مالكمش عندي"، كما قال عبدالحليم حافظ.. ثم.. بدأ التنفيذ وفجر السيد رئيس الجمهورية أول حفر بأسلوب التفجير فى قناة التحويل للسد العالي.
العبقرية فى القرار
يعتبر العالم المصرى الدكتور ممدوح حمزة أن عبقرية بناء السد تكمن فى القرار.. ويقول إنه تعرض لأسئلة عن "عبقرية التصميم فى السد العالي"، وكان رده أن "التصميم ليس بالذات عبقرى، هو تصميم نمطى، ولكن العبقرية فى السد ترجع فى المقام الأول إلى قرار بناء السد".. ويضيف حمزة متسائلا: من الذى قرر بناء السد؟.. جمال عبدالناصر.. كان عنده كام سنة جمال عبدالناصر؟.. جمال عبدالناصر قرر بناء السد وهو عنده 34 سنة وفى خلال الـ100 يوم الأولى لبداية الثورة إذ كان على مكتبه فى مجلس قيادة الثورة بالتحديد فى 18 أكتوبر سنة 1952 دراسة الجدوى الأولية للسد العالى مقدمة ممن كان كلفهم سيادته وهم وزارة الأشغال العمومية التى هى الآن وزارة الرى، مهندسى القوات المسلحة وبعض أساتذة الجامعات المصرية.. إذن العبقرية هنا أن الشاب عنده 34 سنة.. صمم.. وبدأ بالإجراءات اللازمة لبناء سد عال على نهر النيل يستدعى تغيير مجراه التاريخى والجيولوجى فى الـ100 يوم الأولى من ثورة يوليو التى كان لا يمكن ألا يكتب لها النجاح.
ويشير حمزة إلى "الضربة"، القرار قائلا.. "ماذا فعل عبدالناصر؟ كانت الضربة القوية فى الميدان فى الإسكندرية ضربة أطلقها جمال "إحنا أممنا القناة" يوم 26 ـ 7 ـ 1956.. أى بعد أسبوع من رفض البنك الدولى لتمويل المشروع، وهذه هى العبقرية الثانية لقيادة واعية مؤمنة ترغب فى تنمية بلدها بالقدرة الذاتية وكما قال صلاح جاهين الذى عبر عن مشاعر الشعب فى ذلك الوقت "من أموالنا وبإيد عمالنا"، أموالنا كانت السد العالي.
{
العربي: تأميم القناة هنا كان مخطط له من بدري؟
}}
كان بيدرسه، لكن كم من الدراسات بنسمع عنها وكم من النيات الحسنة، العبرة ليست بالدراسات فقط أو بالنيات الحسنة، العبرة باتخاذ القرار وتحمل ما يتبع ذلك من عواقب.
{
ماذا عن فلسفة التنمية لدى عبدالناصر؟
}}
فلسفة التنمية فى أعلى درجاتها والتنمية بالقدرة الذاتية ومن "أموالنا بإيد عمالنا" هى دى التنمية، أمم القناة وجاب قرض من روسيا ـ قرض وليس منحة ـ يدفعه من عوائد قناة السويس، "من أموالنا، وبإيد عمالنا"، استخدم المقاولون العرب وصدقى سليمان ووليم بك شنودة وحلمى السعيد ومدرسة السد العالى اللى طلع منها أحسن مهندسين فى مصر والدكتور على صبرى اللى أجرى أهم تعديل فى تصميم السد ثم بدأت الحرب يوم 30 أكتوبر 1956 أى فى خلال 3 شهور من تأميم القناة.
مدرسة السد العالى طلعت مهندسين الكهرباء والميكانيكا، اسأل حسب الله الكفراوى اللى أعطى له صدقى سليمان مهمات كان يرى أنها مستحيلة وبالرغم من كده حسب الله الكفراوى نفذها، فيه وليم شنودة وحلمى السعيد من مدرسة السد العالى، جميع المهندسين فى شركة كهروميكا وشركة هايدلكو اللى بنوا محطات وخطوط كهرباء مصر كانوا من السد العالى، اللى بنوا السد فى العراق فرقة السد انتقلت وعملت سد فى العراق.. وكان يمكن أن تتولى فرقة السد بناء مترو الأنفاق لأن السد العالى ومترو الأنفاق هما وجهان لعملة واحدة. دى أنفاق ودى أنفاق دى تربة ودى تربة.. أين التكامل بتاع السد العالي؟ تم تفتيته.
الخبرة المصرية والأجنبية
{
لماذا استعنا بالخبرة الأجنبية فى بناء مترو الأنفاق؟
}}
لأن القيادة المصرية لا تثق فى خبراء البلد، فمن غير ما يشعروا بيروحوا للى بره، يروحوا لأطباء نفسيين.. لا توجد ثقة متبادلة، شوف المأساة إللى إحنا فيها، عايزين يعملوا محور كوبرى يطرحوه على شركة عالمية، عايزين ينضفوا الشوارع ولا يعملوا منظمة لتوزيع الأكل على الفقراء يروحوا لشركات عالمية، عايزين شركة فرنسية تيجى تعملهم مترو ثالث بعد الأول والثانى حتى مش عايزين نتعلم، عايزين نعمل مرسى للمراكب نروح لشركة عالمية. هذا ليس فسادا أو سوء إدارة إنه غباء.. مش فاهمين يعنى إيه تنمية القدرات الذاتية أو تنمية القدرات المصرية، مش هتنمو غير بمنحها فرصة عمل ومسئولية، زى إيران.. جابت علماءها وأساتذتها وقالتلهم اعملوا المترو فى شيراز، لم يقولوا نحن لم ننشئ مترو قبل كده وضعوهم أمام المسئولية.
ويضيف الدكتور ممدوح حمزة.. المشكلة هنا فى القيادة التى لا تثق فى قدرات المصريين، وعندى الدليل الواضح على كده، أنا اشتغلت فى مشروع مكتبة الإسكندرية فلما كانت بتيجى السيدة سوزان مبارك، محسن زهران قالى ارجع أنت وخلى الأجانب فى الأمام، وأيضا فى مشروع توشكى عبداللطيف عسكر كان بيقول طلعوا لنا الإنجليز والألمان قدام علشان الريس يرفع درجة ثقته فى المشروع.. يجب أن يستتر المصريون رغم أنهم الأساس فى المشروعين ويظهر الأجانب حتى تطمئن القيادة السياسية.. وقلتله يا عبداللطيف الريس هيفرح لما يلاقى مصرى هو اللى مصمم المشروع.. أنا اللى عامل تصميم توشكى مكتبى ده هو اللى عامل التصميم، ولا ألمان ولا إنجليز، بالذات فوزى بيه نجيب حنا رئيس قسم الرى فى المكتب هو اللى عمل التصميم بالاشتراك معايا، وهو حاليا بالمعاش.. تعديل الجمارك وتعديل التليفزيون استعانوا فيهم بشركات أجنبية هما مش عايزين حاجة من المصريين هما عايزين يحطوا المصريين فى المقابر وشوية فى العشوائيات.
{
كيف ترى فلسفة التنمية الذاتية وإدارة مواردها بشكل جيد بعد 50 سنة من وضع حجر أساس السد العالي؟
}}
التنمية التى كانت تتحقق فى عهد جمال عبدالناصر لم يكن لها مثيل ولا فى الهند ولا فى إندونيسيا ولا فى البلاد النامية فى ذلك الوقت.. وأنا من أكثر المعجبين بالتنمية فى عهد جمال عبدالناصر لأن التنمية كانت مبنية على الصناعة وتنويع مصادرها وليس الآن تنمية مبنية على عقار وأراض والأوراق المالية والاعتماد على رأس المال الأجنبى وبيع أملاك الدولة وأملاك الشعب، بل بالعكس ما كان يتم فى عهد عبدالناصر هو عكس 180 درجة مما يتم حاليا.. كان زمان تشترى أرض، تشترى حتة فى تقسيم، لكن دلوقتى قبل ما تتقسم تعطيها لرجل أعمال علشان يشتغل سمسار على رقبة الشعب المصرى الفقير، كان زمان فيه مباشرة بين الشعب والحكومة فى الحصول على قطعة أرض هى أساس السكن دلوقتى تأخذها عن طريق رجال الأعمال اللى خدوها قسموها وتربحوا مما لا يمتلكون.. لماذا ذهبت إلى الخارج سنة 1970 لعمل ماجستير، وكان مشروع الماجستير هو السد العالى ودرسته دراسة كاملة ليس فقط كتصميم ولكن كأساليب تنفيذ وحصلت على رسالة ماجستير من جامعة لندن عن السد العالي.. ليه وأنا فى إنجلترا أعمل رسالة ماجستير عن السد وأنا عمرى 22 سنة، بدأت فيها وأنا عندى 22 سنة وخلصتها وأنا عندى 23 سنة، من شدة إعجابى وانتمائى للسد العالى، ده دليل على أن الاتجاه فى ذلك الوقت كان فيه روح، هل هناك فيه أحد فى الخارج بيعمل ماجستير فى الهندسة أخذ أحد المشروعات الهندسية المصرية الحالية كرأس موضوع لرسالة ماجستير، هل هناك مشروع حاليا يستحق هذا، لا يوجد.. لو جاء للسيد رئيس الجمهورية زائر من أفريقيا وقال له عايز أنمى بلدى بالاستعانة بخبراتكم، هيفرجوا على إيه؟، الأوبرا يابانى، مترو الأنفاق فرنساوى، ميناء الدخيلة فرنساوى، مفيش حاجة يفرجوا عليها غير شوية الكبارى السيئة جدا زى كوبرى 6 أكتوبر، ونحن هنا لا نعارض نفسنا، لكن اللى أعطوهم مسئولية بناء الكبارى فى مصر ليسوا الأفضل، أجيب خبراء مصر لتصميم وتنفيذ الكباري.
ويضيف حمزة.. أكبر ضربة للاقتصاد المصرى هى أسلوب الأمر المباشر إلى القطاع العام، وخاصة للمقاولون العرب، والمقاولون العرب يجيبوا من باطنهم مهندس استشارى ملاكى يصمم كبارى الهدف منها فقط زيادة الكميات وزيادة فاتورة الكبارى لزيادة نسبتهم وليس التصميم الأفضل.. إذن المشروعات الكبرى فى أيدى أجانب والمشروعات اللى عملوها المصريين أفرزت أسوأ ما عندهم.. إذا أردت تنمية حقيقية مستدامة فى هذا البلد ورفع القدرة الذاتية المصرية وبناء المؤسسات يجب تغيير هذه الحكومة من جذورها، هذه الحكومة لا تصلح لتنمية مستدامة، هذه الحكومة كلها عبارة عن وكيل تجارى لشركات مالتى ناشيونال وأغنياء العرب.. وأنا لا أتكلم عن أفراد أنا أتكلم عن سياسات، والسياسة الحالية للدولة بتقول إنها مع الطبقات الكادحة ومحدودى الدخل واللى بتعمله عكس ذلك تماما، بمعنى مثلا، امسك الضرائب، الضريبة ثابتة لو كسبت ألف أو مليون أو مليار، أكثر من 60% من حصيلة الضرائب بيدفعها العاملين والموظفين مش الشركات ولا المؤسسات.. الدعم للمصدرين 4 مليارات جنيه وهم رجال أعمال بينما الدعم للمزارعين 750 مليون جنيه أقل من سدس الدعم نفسه، يعنى حفنة من رجال الأعمال بيأخذوا دعم المصدرين 6 أضعاف دعم ملايين المزارعين، يعنى دى العدالة الاجتماعية؟!.. دى حكومة سرقت شعب، ضريبة الأهالى والعاملين والموظفين قبل مدخل عليها الضريبة العقارية بيدفعوها أكثر من 60% من قيمة الضرائب فى مصر، وهذا عكس معظم بلاد العالم.
هل يجوز أن تكون نسبة الأجور والمرتبات من دخول الشركات ما بين 3 إلى 5% بينما النسبة العالمية هى من 15 إلى 20% معناه أن رجال الأعمال أصحاب الشركات بيسرقوا العاملين والموظفين بما لا يقل عن 10% من دخل الشركات وتتستر عليهم الحكومة، وبالرغم من أن دخلهم من 3 إلى 5% إلا أن على أكتفاهم العبء الأساسى من حصيلة الضرائب فى مصر.
{
التغيرات التى حدثت بسبب ارتفاع مياه النهر هل ممكن أن يكون لها تأثير على السد العالي؟
}}
لا، السد العالى عند إنشائه وبعد إنشائه تحدث بعض العلماء المصريين عن الآثار الجانبية المضرة للسد وكان هذا فى مواضيع تسرب المياه الجوفية من البحيرة، ترسيب الطمى فى البحيرة والتقليل من السعة المائية، الاحتياج إلى استخدام عال من الأسمدة نظرا لعدم وجود الطمى على الأراضى الزراعية، حدوث زلازل، زيادة النحر فى مجرى النحر حول المنشآت النهرية والقناطر، تآكل شاطئ البحر المتوسط، هروب السردين، والتهجير، ولحسن الحظ الشيء الوحيد الحقيقى فى كل هذه الآثار الجانبية هو تآكل شاطئ البحر وشاطئ الدلتا عند رأس البر وعند رشيد نظرا لعدم ووصول الفيضان، وهذه هى الضريبة المتوقعة للاستفادة من مياه النيل بدلا من فقدانها فى البحر المتوسط، وكما قال الشاعر صلاح جاهين "وكان طبيعى نبص للنيل اللى أرواحنا فى إيديه ميه فى البحر ضايعة والصحارى فى شوق إليه".
{
العربي: هل تفتكر أن مصر بتدفع ضريبة عالية نتيجة عدم وصول الطمي؟
}}
لا، لكن بالنسبة للأسمدة إحنا استخدمنا أسمدة لأننا بنزرع الأرض ثلاث مرات رى مستديم، وأصبح نتيجة المياه الفائضة استطعنا استصلاح 100 مليون زيادة فطبعا تحتاج أسمدة.
..
يقول العالم المصرى الدكتور حمزة متأثرا.. أنا السد العالى فى عروقى، كان عندى ساعتها 12 سنة، وحضرت ماجستير فيه وأنا عندى 22 سنة، غنيت له وكتبت له رسالة.
الصين ودول المصب
{
حديثك فى المؤتمر العام الناصرى فى أسوان بمناسبة ذكرى بناء السد العالى عن تهديدات دول المصب أثار جدلا؟.
}}
نقلت إحدى الصحف كلامى بشكل غير دقيق، أنا لا أدعو إلى استخدام العنف مع دول الحوض، ولكن هناك جرأة أو تجرؤا حدث على مصر وهناك عدم التزام بالمواثيق الدولية وهناك بناء سدود على منابع النيل، وإن كانت تبدو أنها سدود لتوليد الكهرباء فقط إلا أن خلفها خزانات ويتم بها رى مئات بل آلاف من الأراضى الزراعية.. والموضوع فى حد ذاته فيه خطورة من تغلغل دول غير صديقة ودول تدعى الصداقة زى الصين التى ساعدت فى بناء هذه السدود، ومن هذا المنطلق فإننى أطالب أن يكون خلف الدبلوماسى المصرى قوة عسكرية معلومة موجودة ولا نهدد أو نوعد باستخدامها ولكن تكون موجودة، لازم يكون معلوم لدى الجميع أن هناك قوة تستطيع أن تطول أى تهديد يضر بمصلحة مصر.
الأزمة فى السودان
{
هل هناك دور لإسرائيل أيضا أو إيران؟
}}
لا أعلم عن دور إسرائيل أو إيران، أنا الذى أعرفه الصين أنا لا أتكلم إلا بمستند والمستندات التى بين يدى هى لدور الصين، ليس لدى مستندات لإسرائيل أو إيران.
والمشكلة الرئيسية التى ستضر بمصر أيضا ليست فى إثيوبيا، وإنما السودان، السودان عارضة للإيجار وللبيع 30 مليون فدان، لو فرضنا أن ثلثهم فقط سيروى من نهر النيل يبقى 10 ملايين فدان فى 6 أو 7 آلاف بـ60 أو 70 مليار متر مكعب مياه هييجوا من حصتنا قبل متوصلنا لو ده حصل، واللى بيشترى الأراضى ويزرعها ليس دول الحوض لكن الصين وبعض الدول العربية كالسعودية بمعنى أن دولا خارج الحوض بتهرب مياه حوض وادى النيل فى صورة حاصلات زراعية وهذا ضد الاتفاقيات الدولية.. وأحذر أن تلك هى مشكلة مصر الرئيسية وهى شراء دول مثل الصين والسعودية ودول أخرى أراضى فى السودان وريها بمياه لا يمكن إلا أن تكون من حصتنا فى مياه نهر النيل.
{
تردد فى بعض الآونة مخاوف على حالة السد العالي؟
}}
أنا لا ألوم على من يخاف، لأن هناك خوفا على كل حاجة فى البلد، لأن كل حاجة فى حالة تدهور شديد إلا أننى أؤكد أن جسم السد العالى طبيعة تصميمه وإنشائه لا يخاف عليه، كما أن وزيرى الرى والكهرباء ليسا رجال أعمال، وإنما مهنيان على أعلى مستوى وأنا متأكد أن هاتين الوزارتين لن تفرطا فى السد العالى ولا يوم واحد فلا مجال للخوف.

 

 

أيام التحدى والبناء بقلم سامى شرف
العربى 17\1\2010

مشروع السد العالى هو مشروع قديم يرجع الفضل فى طرحه إلى المهندس اليوناني"دانينيوس"، وقد سبق أن تقدم به لأكثر من حكومة مصرية قبل الثورة، ولكنه لم يكن يلقى أدنى استجابة حتى على سبيل الوعد ببحث المشروع وجدواه الاقتصادية، وفى عام 1953 تقدم بمشروعه من جديد إلى مجلس قيادة الثورة، ولكنه هذه المرة حظى باهتمام كبير من جانب القيادة الثورية وكلف قائد الجناح جمال سالم عضو مجلس قيادة الثورة بتولى مسئولية هذا المشروع إلى جانب الفنيين فى المجالس والهيئات المتخصصة الذين سيتولون البحث والدراسة الخ..
لقد سبق أن وضعت القيادة الثورية التى تولت السلطة بعد يوليو/ تموز 1952 قضية التنمية على رأس اهتماماتها وفى مقدمة جدول أعمالها، وحرصت على إزالة أية عقبات كانت تعترض مساهمة رأس المال الوطنى أو الأجنبى فى التنمية، كما أصدرت القانون رقم 213 لسنة 1952 فى أكتوبر/ تشرين الأول 1952 الذى تم بموجبه إنشاء المجلس الدائم للإنتاج كهيئة مستقلة تتبع لرئاسة مجلس الوزراء ويتولى مهمة بحث ودراسة المشروعات الاقتصادية الكبرى التى يكون من شأنها تنمية الإنتاج على المستوى القومى، ووضع مخطط وطنى متكامل للتنمية الاقتصادية. وبدأ هذا المجلس فى وضع الدراسات التفصيلية للعديد من مشروعات التنمية فى قطاعات الرى والتوسع الزراعى وتكرير البترول وخطوط أنابيب البترول وتنمية الثروة المعدنية والمواصلات وغيرها من القطاعات فى إطار رؤية بعيدة المدى للاقتصاد المصري.وبالتالى كان من الطبيعى أن يلقى مشروع السد العالى الاهتمام الواجب فى مجلس الإنتاج بعد أن تحمست له قيادة الثورة على المستوى السياسى، وبالفعل تم تشكيل لجنة فرعية تضم عددا من أعضاء مجلس قيادة الثورة وعدداً من أعضاء مجلس الإنتاج من الخبراء والفنيين برئاسة جمال سالم لإجراء مزيد من البحوث والدراسات لهذا المشروع، وعقدت اللجنة عدة اجتماعات فى مقر مجلس قيادة الثورة بالجزيرة، حضر بعضها المهندس اليونانى دانينيوس، وانتهت بعد دراسات مستفيضة إلى الإقرار بجدوى المشروع وضرورة تنفيذه وقدمت أيضا توصيات بهذا المعنى لمجلس قيادة الثورة الذى وافق من حيث المبدأ على تنفيذ المشروع والبدء فى اتخاذ الخطوات العملية فى هذا الشأن. وكانت الخطوة الأولى تنظيم سلسلة من المحاضرات عن السد العالى، وبدأت بمحاضرات وندوات فى نادى ضباط الجيش بالزمالك تحدث فيها عدد من المهندسين المتخصصين وشرحوا أبعاد المشروع وما ينتظر منه من عائد، كما عقدت سلسلة محاضرات أخرى فى نقابة المهندسين، وفى جمعية المهندسين المصرية استهدفت كلها تهيئة الرأى العام على المستويات العلمية والسياسية والشعبية لهذا المشروع.
لقد تمثل العائق الأساسى الذى حال دون بحث أو تنفيذ مشروع بهذا الحجم فى عهود ما قبل الثورة هو غياب الاستقرار السياسى، على سبيل المثال فقد كان هناك مشروع كهرباء خزان أسوان وهو مشروع كان محل مزايدة بين الأحزاب فى برامجها، وتستخدمه كأداة للدعاية ووسيلة للوصول إلى السلطة ثم سرعان ما يطاح بها ويطوى المشروع فى غياهب النسيان لتأتى حكومة حزبية أخرى تجدد نفس السيناريو، فلما جاءت الثورة قامت بتنفيذ فورى لمشروع كهرباء خزان أسوان، وعملت فى الوقت نفسه على إشراك مكاتب استشارية أجنبية فى دراسة مشروع السد العالى إلى جانب الخبراء المصريين الذين يمتازون بقدرات وكفاءات كبرى وعالمية أيضا فى هذا المجال، وكل الدراسات أكدت سلامة المشروع من حيث الجدوى الاقتصادية لمستقبل مصر، وكان من بين من تولى دراسة المشروع بصورة رسمية البنك الدولى للإنشاء والتعمير، وقد أعد بالفعل دراسة قدمها يوجين بلاك، كان ملخصها أن حالة الاقتصاد المصرى تسمح بإتمام مشروع السد العالي.كما جاء خبراء من الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا الغربية وفرنسا للتنسيق مع المجموعة المكلفة ببحث المشروع، وتولى كل من المهندسين محمد صدقى سليمان ومحمود يونس وسمير حلمى وأحمد عبده الشرباصى وإبراهيم زكى قناوى وموسى عرفة وآخرين التنسيق مع هؤلاء الخبراء وتقديم التسهيلات اللازمة لهم لوضع الدراسات المطلوبة حول المشروع.إن مشروعا بهذا الحجم كان فى حاجة إلى قرار سياسى جريء، وكان جمال عبدالناصر يتمتع برؤية استراتيجية بعيدة المدى ولم يكن يتخذ القرار المتسرع ولم تكن مواقفه نابعة من رد الفعل، ومن ثم فقد استوعب كل النتائج التى توصلت إليها الدراسات الفنية المتخصصة لمشروع السد العالى وسعى إلى تحويله إلى _حلم قومي_ يستحق أن تجند له كل الطاقات والخبرات لوضعه موضع التنفيذ وبدأ يضعه فى جدول أعماله فى مناقشاته واجتماعاته مع كل المسئولين العرب والأجانب كما تداول بشأنه فى حواراته المستمرة مع الرئيسين تيتو ونهرو، وأخذ يبحث عن مصادر لتمويله، وبدأ بعرضه على البنك الدولى للإنشاء والتعمير الذى أكد فى تقرير نشره فى شهر يونيو 1955 سلامة المشروع، وورد بهذا التقرير أيضاً _أن مصر اعتمدت ثمانية ملايين دولار لتنفيذ بعض الأعمال التحضيرية للمشروع وتشمل إنشاء خطوط للسكك الحديدية، ومساكن للعاملين فى الموقع، وفى أغسطس من نفس العام أصدر البنك تقريرا آخر يؤكد قدرة الاقتصاد المصرى على تنفيذ المشروع، وفى سبتمبر 1955، أعلنت بعض الشركات الألمانية الغربية والفرنسية والبريطانية تقدمها بعروض للمشاركة فى تنفيذ المشروع فى شكل _كونسورتيوم_. لقد بدا أن المشروع يحظى باهتمام فى الدوائر السياسية فى كل من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وقد اعتبروه فرصة للربط بين دعم خطط التنمية التى بدأتها الثورة من جانب، وإقامة نظام إقليمى يضمن المصالح الغربية ويفتح الطريق للتسوية مع _إسرائيل_ من جانب آخر. وبدأ الاتحاد السوفييتى يدخل كطرف ثالث فى التنافس خاصة بعد عقد صفقة الأسلحة التشيكية ففى سبتمبر عام 1955، وفى نفس وقت إعلان أنباء الصفقة صرح السفير السوفييتى فى القاهرة بأن بلاده مستعدة للمساهمة فى بناء السد العالى،وحدد هذه المساهمة بالمعونة الفنية والمعدات وأموال يتم تسديدها بسلع خلال خمسة وعشرين عاما، وأدى ذلك إلى فزع كبير فى الغرب، وتحركت بريطانيا لتحذير واشنطن من التهديد السوفييتى القادم.وقد اختار عبدالناصر أن يختبر نوايا الغرب مرة أخرى بعد أن فشلت محاولات الحصول على السلاح منه فبدأ الدكتور عبدالمنعم القيسونى وزير الاقتصاد سلسلة من الزيارات للعواصم الغربية وجرت العديد من المفاوضات، أسفرت عن اتفاق من حيث المبدأ أعلنته الخارجية الأمريكية فى 16ديسمبر 1955 ويقضى بأن يتولى كل من البنك الدولى والولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا تمويل مشروع السد العالى بتكلفة تبلغ 1،3 مليار دولار
يتم توزيعه كالتالي:
1-
تقديم 70 مليون دولار للمرحلة الأولى فى المشروع (تقدم الولايات المتحدة مبلغ 56 مليون دولار، وتقدم بريطانيا مبلغ 14 مليون دولار).
2-
تقديم 200 مليون دولار للمرحلة الثانية فى صورة قرض من البنك الدولى بالإضافة إلى 130 مليون دولار أخرى كقرض من الولايات المتحدة الأمريكية ومبلغ 80 مليون دولار قرضا من بريطانيا، على أن تدفع فى صورة أقساط سنوية بفائدة 5% تسدد على مدى أربعين سنة.
3-
باقى المبلغ تتحمله مصر بالعملة المحلية.
4-
يضاف إلى ذلك منحتان الأولى من الولايات المتحدة وقدرها عشرون مليون جنيه والثانية من بريطانيا وقدرها خمسة ملايين ونصف المليون جنيه
وفى الوقت الذى كانت فيه المفاوضات حول تمويل السد العالى تتخذ هذا المسار الإيجابى على السطح كانت العلاقات السياسية بين مصر من جانب وكل من الولايات المتحدة وبريطانيا من جانب آخر تتخذ مسارا مختلفا بسبب معركة الأحلاف وصفقة الأسلحة والاعتداءات _الإسرائيلية_ على غزة وغيرها كما أوضحت، وقد بدا واضحا حرص الدولتين على امتلاك أوراق ضغط على ثورة يوليو تتعارض والاستراتيجية التى انتهجتها الأخيرة بشأن استقلالية قرارها والإصرار على استكمال التحرر من أية ضغوط أجنبية وجاءت الشروط التى وضعتها الدولتان لتنفيذ اتفاق تمويل السد العالى مؤكدة لهذا الاتجاه، فقد اقترن العرض السابق بالشروط التالية:
1-
أن تركز مصر برنامجها التنموى على السد العالى بتحويل ثلث دخلها القومى ولمدة عشر سنوات لهذا المشروع مع فرض رقابة على المشروعات الاقتصادية الأخري.
2-
وضع ضوابط للحد من زيادة التضخم والإنفاق الحكومى، وفرض رقابة على مصروفات الحكومة المصرية وعلى الاتفاقيات الأجنبية أو الديون الخارجية. وألا تقبل مصر قروضا أخرى أو تعقد اتفاقيات فى هذا الشأن إلا بعد موافقة البنك الدولي.
3-
الاحتفاظ بحق إعادة النظر فى سياسة التمويل فى حالات الضرورة.وأثارت هذه الشروط غضب الرئيس عبدالناصر، فقد كانت أشبه بالوضع الذى كان سائدا فى عهد الخديو إسماعيل، وأنتج ذلك كله حالة فقدان الثقة فى إمكانية معاونة الولايات المتحدة فى تنفيذ المشروع، وانتهى الرئيس إلى تقدير موقف اقتنع به بهذا المعنى، لكنه حرص على تفادى المواجهة لآخر لحظة حتى يتكشف الموقف الأمريكى بوضوح وجلاء وصراحة فى ضوء الرسائل المتكررة التى حملتها القنوات الخلفية والزيارات الرسمية للمسئولين الأمريكيين، التى أكدت حقيقة واحدة هى إصرار الجانب الأمريكى على التحكم فى سياسات الثورة ودفعها إلى مسار يخدم الاستراتيجية الأمريكية ومصالح الغرب فى الأساس، وخاصة فيما يتعلق بالتفاهم مع _إسرائيل_، وكان ذلك يجرى بتنسيق محكم مع الجانب البريطانى تكشفت أبعاده فى أكثر من مناسبة وكما كشفته الوثائق الأمريكية والبريطانية التى نشرت مؤخرا.وفى هذا الإطار استقبل الرئيس جمال عبدالناصر يوجين بلاك رئيس البنك الدولى، وبعد مفاوضات وافق عبدالناصر فقط على أن يكون للبنك الدولى حقوق معقولة فى تفقد الإجراءات التى سوف تتخذها مصر للحد من التضخم عقد اتفاق أعلن فى 8 فبراير/ شباط 1956 يقدم البنك بموجبه قرضاً قيمته مائتا مليون دولار على أن يتوقف تنفيذه على التوصل إلى اتفاق آخر مع لندن وواشنطن حول الشروط التى أعلنوها لتقديم المساعدة.
وفى الأسبوع الأول من يوليو 1956 استقبل الرئيس عبدالناصر السفير أحمد حسين سفير مصر فى واشنطن فى استراحة برج العرب غرب الإسكندرية، ودار الحديث حول الموقف الأمريكى من تمويل مشروع السد العالى، وكان أحمد حسين معروفا بميوله الأمريكية ومن أنصار تطوير العلاقات والتعاون مع واشنطن وقد حاول فى هذا الاجتماع أن يبرر موقف جون فوستر دالاس وزير الخارجية الأمريكى الذى اتسم بالمماطلة والتعنت وأخذ يسهب فى تفسير الضغوط التى يتعرض لها من الدوائر الصهيونية وبعض رجال الكونجرس الأمريكي.ولكن عبدالناصر كان يدرك فى قرارة نفسه أن الأمر لا يخرج عن حدود المناورة، وأن أمريكا لن تقدم على المساهمة فى تنفيذ المشروع، وتمسك أحمد حسين بموقفه ومحاولاته للتفسير والتبرير، وبعد أن استمع له عبدالناصر مطولا بادره قائلاً: _حسنا (قالها بالإنجليزية All Right) سأعطيك الفرصة لكى تثبت شيئا من أجل مصر يا أحمد، ترجع لدالاس وتقول له إنك قبلت بجميع شروطه، ثم لاحظ ردود فعله، وحا نشوف إيه اللى حا يجرى بعد كده؟_.وأسقط فى يد أحمد حسين واستفسر من الرئيس عما إذا كان لا يريد أن يعدل من الشروط الأمريكية.فقال له عبدالناصر: _لا تعديل فى الشروط، وأنت مفوض تفويضا كاملا ومعا_ _Carte blanche_، وتقول لدالاس: _إننى قبلت بشروطكم وبأن يتجدد الالتزام الأمريكى تجاه السد العالى سنويا، لكننى أحذرك يا أحمد إياك أن تقول أو تفعل أى شيء يمس كرامة مصر وهذا لسبب واضح تماما هو أننا لن نحصل على السد العالى من الأمريكان_.
وتوجه أحمد حسين إلى واشنطن عن طريق لندن، وعلى خلاف اتفاقه مع الرئيس عبد الناصر أدلى بتصريحات دلت على تخاذل لا مبرر له على الإطلاق فقد قال: _إن مصر تقبل بجميع المقترحات المقررة بشأن السد العالى، وأنها ترجو مساعدتها فى بناء السد العالى، وتعتمد على هذه المساعدة وتطلبها_.كنا فى هذه الأثناء فى صحبة الرئيس جمال عبد الناصر فى زيارة رسمية ليوغوسلافيا عندما أدلى أحمد حسين بهذه التصريحات وأعرب الرئيس عن ضيقه إذ شعر بأن مصر قد أهينت وما كان لأحمد حسين أن يصرح بكلمة قبل أن يقابل دالاس حسب التعليمات ويفاجئه بموقفه.ذكّرت الرئيس بما لدينا من معلومات مسبقة بشأن أحمد حسين وتزايد ارتباطاته فى هذه الفترة 1955-1956 مع بعض الجهات فى أمريكا وقد رأيت هذا التصريح بمثابة تسريب للموقف المصرى بشكل مفصل ويحمل معنى التخريب فى سياستنا، خاصة أن الرئيس قد حذره من عدم الإقدام على أى قول أو فعل يترتب عليه المساس بكرامة مصر. فلماذا تطوع أحمد حسين بهذا الموقف ؟ ولماذا فى لندن بالذات؟ ولماذا قبل اجتماعه بدالاس فى واشنطن؟ خاصة أنه سمع تقريراً محدداً من جمال عبدالناصر يعرب فيه عن اعتقاده الجازم بأن أمريكا لن تقدم السد العالى لمصر.كان رأى أحمد حسين الذى عبر عنه فيما بعد، أنه قصد المناورة وممارسة الضغط على الجانب الأمريكى خاصة أنه ألمح فى تصريحاته إلى استعداد الاتحاد السوفييتى لتقديم المساعدة فى بناء السد العالي. والحقيقة أنه لم يجر أى اتصال من جانب مصر مع الاتحاد السوفييتى حول هذا الموضوع لا من قريب ولا من بعيد إلا بعد سنة 1957، وكل ما حققه التصريح هو إعطاء الفرصة لدالاس لأن يعد نفسه جيدا.
وما إن وصل أحمد حسين إلى واشنطن حتى تتابعت الأحداث على النحو التالي:- عندما تسلم دالاس تصريح احمد حسين سارع بإبلاغ أيزنهاور الذى كان متواجدا فى كامب ديفيد اثر إصابته بأزمة قلبية، ولإحساس دالاس بأنه سيواجه حرجا شديدا إذا ما أبلغه أحمد حسين رسميا قبول مصر للشروط الأمريكية، أبلغ أيزنهاور بأن المصريين لا يتجاوبون معه البتة، وأنه يقترح سحب عرض المساعدة فى بناء السد العالي.. ورد أيزنهاور بأنه يفوضه للتصرف بحرية مطلقة وفق ما يراه.
-
تحدد ظهر يوم 19 يوليو 1956 موعدا لاستقبال دالاس لأحمد حسين فى مبنى وزارة الخارجية الأمريكية، وبعد دخوله مكتب دالاس بدقائق معدودة أصدر المتحدث الرسمى باسم الخارجية الأمريكية _لينكولن وايت_، بيانا يعلن فيه سحب العرض الأمريكى لتمويل مشروع السد العالى، وكان ذلك قبل أن يبدأ الحديث بين أحمد حسين وجون فوستر دالاس.وقد بعث أحمد حسين بتقرير إلى الرئيس عبدالناصر عن اللقاء جاء فيه:
-
أن دالاس فاجأه عندما هم بالجلوس بقوله إن الولايات المتحدة الأمريكية يا سيادة السفير ستصدر بيانا الآن، وأننا نأسف لأننا لن نساعدكم فى بناء السد العالى وأن بلاده قد قررت سحب عرضها لأن اقتصاد مصر لن يستطيع تحمل هذا المشروع.
وهنا حاول السفير أحمد حسين أن يحتج لكن دالاس واصل قراءة ما هو مكتوب أمامه والذى أعد مسبقا حيث استطرد قائلا:
-
إن الولايات المتحدة الأمريكية تعتقد أن من يبنى السد العالى -أياً كان- سيكسب كراهية الشعب المصرى لأن الأعباء المترتبة عليه ستكون مدمرة وساحقة، وأضاف انه ليس فى وسع الشعب المصرى أن يتحمل عبء تنفيذ هذا المشروع الضخم، فمتطلباته تتجاوز ما تستطيع مصادر مصر احتماله خاصة بعد التزامها بشراء الأسلحة (يقصد صفقة الأسلحة التشيكية)، وإننا فى الولايات المتحدة الأمريكية لا نريد أن نكون مكروهين فى مصر، وسوف نترك هذه المنفعة للاتحاد السوفييتى إذا كان يعتقد أنه يريد أن يبنى السد العالي.
-
ويضيف دالاس ان بلاده تعتقد أن الاتحاد السوفييتى لا يملك المصادر الكافية لإنجاز المشروع ولو تعهد بتنفيذه فإن الدول التابعة له ستتمرد عليه حيث إنهم يساعدون مصر بينما يرفضون تقديم المساعدات المماثلة التى تطلبها هذه الدول.
-
يؤكد دالاس أن صفقة الأسلحة التشيكية التى عقدتها مصر ستسبب للحكومة الأمريكية حرجا فى شأن استمرار مساعدتها الاقتصادية لمصر لأن كرامة أمريكا أصبحت الآن فى التراب بسبب مزاعم بعض الأصوات فى أمريكا بأن وسيلة مصر للحصول على المساعدات هى التشهير بالسياسة الأمريكية ومعارضتها.
-
إنه منزعج شخصيا من صفقة الأسلحة خاصة أن حكومة الولايات المتحدة الأمريكية قد أثبتت فى السنوات الأخيرة صدق نيتها فى مساعدة مصر كما لعبت دورا مهما فى التوصل لاتفاقية الجلاء، والتزمت موقفا غير منحاز بين العرب و_إسرائيل_، بل مارست الضغط على _إسرائيل_ عندما حاولت تنفيذ مشروعاتها فى بحيرة طبرية برغم قرار مجلس الأمن بإيقاف هذه المشروعات. وقال أيضا إن ممثلى _إسرائيل_ صرحوا له بأن _إسرائيل_ لا يمكن أن تنتظر حتى يكمل العرب استعدادهم للقضاء عليها، كما ذكر النتائج الخطيرة التى تترتب على تمكين الشيوعية من بترول البلاد العربية وحرمان الدول الغربية منه، وأنه شخصيا يجد نفسه محرجا ومركزه صعب لأن _إسرائيل_ ستطالب ولا شك بالحصول على الأسلحة وبضمانات أمريكية وستستخدم فى سبيل تحقيق مطالبها كل وسائل الضغط التى إن نجحت فسوف تسيء لأمريكا عند العرب.وفى رد عاجل على هذه الآراء أوضح أحمد حسين ما يلي:
-
إنه نقل إلى وزير الخارجية الأمريكى تأكيد الرئيس جمال عبدالناصر بأن صفقة الأسلحة التشيكية ما هى فى الواقع إلا صفقة تجارية لا تحمل فى طياتها أى طابع آخر.
-
أن مصر لن تسمح بتسرب أى نفوذ أجنبى إليها وتحرص كل الحرص على مقاومة الشيوعية، وإنها قبلت بالعرض التشيكى نتيجة الصعوبات التى واجهتها فى الحصول على السلاح من الدول الغربية.
-
ويضيف أحمد حسين أنه دلل فى هذه المناسبة على سياسة مصر الواقعية والبناءة مذكرا بالدور الكبير الذى قام به الفنيون المصريون لمساعدة إيريك جونستون فى وضع مشروعه الخاص بنهر الأردن، وان الرئيس عبدالناصر نفسه قد عبر للوفود العربية الأخرى عن تأييده للمشروع وهو ما ساعد جونستون على إقناع بعضها بجدوى المشروع وسلامته.
-
كما تطرق إلى المساعدات الاقتصادية الأمريكية فى العام الحالى، وأوضح أن مصر تريد التقدم بطلب 360 ألف طن من القمح الأمريكى وفقا للقانون 480 ب_.
ولكن الولايات المتحدة الأمريكية صممت على رفضها تمويل مشروع السد العالى كما توقع الرئيس جمال عبدالناصر.
هكذا لم تكن القضية التى تشغل بال المسئولين الأمريكيين أو الخارجية الأمريكية على وجه الخصوص هى قدرة الاقتصاد المصرى أو الآثار السياسية أو الاقتصادية المترتبة على مشروع السد العالى بل تكمن الأزمة الحقيقية فى عدم قدرة الإدارة الأمريكية على تقبل الأوضاع الجديدة فى المنطقة التى ترتبت على قيام ثورة يوليو 1952، وعدم قدرتها على التعامل مع القوة الجديدة بما طرحته من أهداف تحمل فى طياتها من وجهة النظر الأمريكية تحديا لكل الثوابت التى أرستها القوى الاستعمارية فى الشرق الأوسط على مدى السنوات الطويلة السابقة، وكان على مصر الثورة أن تقبل التحدى، وتواصل خططها فى البناء والنمو والتنمية، وتعتمد فى ذلك على مواردها، فكان تأميم شركة قناة السويس.

 

معركة الإرادة التى انتصر فيها جمال عبدالناصر د عاصم الدسوقي


العربى 17\1\2010

فى يوم السبت التاسع من يناير 1960 وضع جمال عبدالناصر حجر الأساس لبدء العمل فى بناء السد العالي.. سد العزة والكرامة.. كما كان يردد دائما. وهذه العبارة لم تأت عفو الخاطر أو من باب البلاغة وإنما جاءت تعبيرا عن المرارة التى واجهها عبدالناصر طوال خمس سنوات من البحث عن كيفية تمويل هذا المشروع الضخم، وحجم المعاناة التى تجشمها فى سبيل تحقيق هذا الهدف الذى يتعلق بالتنمية، إذ وجد نفسه فى ملعب الحرب الباردة وكانت فى عنفوانها، تتخاطفه قوى الإمبريالية العالمية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا للاحتفاظ بمصر سوقا لتصريف الإنتاج الرأسمالى الضخم ومصدرا رخيصا للمادة الخام وللعمالة الرخيصة، وهو ما نجحت بريطانيا فى تحقيقه منذ احتلالها لمصر (1882) حتى لقد كتب اللورد كرومر فى آخر تقرير له عن أحوال مصر تحت إدارته (1905) "إن الدكاكين الصغيرة فى الموسكى والسكة الجديدة والحمزاوى التى كانت تبيع كل ما هو مصرى أصبحت تبيع كل ما هو أجنبي". وكان هذا يعنى نجاح سياسة بريطانيا فى القضاء على الصناعة المصرية ومن ثم الاعتماد على الواردات.
وفى الفترة التى تلت كرومر وحتى 1952 اتسعت أركان تلك السياسة حيث لم يكن يسمح لمصر بإقامة صناعات أساسية حتى تبقى سوقا، وهذا يفسر الحرب التى واجهت مشروعات بنك مصر الصناعية. ولقد أرادت بريطانيا ومعها الولايات المتحدة الأمريكية استمرار هذا الوضع بعد ثورة يوليو. لكن جاء جمال عبدالناصر وأراد تغيير هذه المعادلة، ومن هنا كانت معركة السد العالى حتى لا تنجح مصر فى التنمية وتحقيق القوة الاقتصادية، وتظل سوقا استهلاكية.. فكيف بدأت الحكاية..
فى عام 1948 ألقى أدريان دانينوس وهو مهندس مصرى من أصل يونانى محاضرة فى جمعية المهندسين المصرية عن أهمية بناء خزان للمياه غير خزان أسوان الذى لا يمكن تعليته أكثر مما وصل إليه (أنشئ الخزان فى 1902 وتمت تعليته الأولى فى 1911 والثانية فى 1932) وقد بدأ محاضرته بجملة قالها نابليون بونابرت تقول: لو قدر لى أن أحكم مصر فلن أسمح لنقطة واحدة من مياه النيل تذهب إلى البحر المتوسط..". ثم تقدم للحكومة المصرية بمشروع بناء "سد عالي" لكن لم تهتم به أية حكومة.
فلما قامت الثورة وجدها فرصة لإحياء مشروعه فقدمه فى مطلع 1953 إلى مجلس قيادة الثورة، واستدعاه المجلس لكى يعرض المشروع، وتم تكليف جمال سالم بمسئولية القيام بدراسة الجدوى اللازمة. وأخذ دانينوس يلقى محاضرات فى مختلف المنتديات المتاحة لتهيئة الرأى العام وفى نادى ضباط الجيش بالزمالك.
ثم بدأت المتاعب ورحلة المرارة.. ففى مايو 1953 قدمت مصر طلبا للبنك الدولى للإنشاء والتعمير لتمويل بناء السد العالى بقرض قدره 600 مليون دولار. وفى الخامس من يناير 1955 وبعد أن انتهت دراسة الجدوى بإمكانية تنفيذ المشروع، عرض جمال عبدالناصر المشروع على مجلس الوزراء. وفى أغسطس (1955) أصدر البنك الدولى تقريرا يؤكد قدرة الاقتصاد المصرى على تنفيذ المشروع. وفى سبتمبر (الشهر التالي) تقدمت شركات من ألمانيا الغربية وفرنسا وإنجلترا مجتمعة بعروض لتنفيذ المشروع.
وفى تلك الأثناء وابتداء من أكتوبر 1955 بدأ السلاح التشيكى يرد إلى مصر، وكان جمال عبدالناصر قد تحدث فى شأن هذه الصفقة مع رئيس وزراء الصين الشيوعية (شو ان لاي) فى باندونج أثناء مؤتمر الحياد الإيجابى (ابريل 1955) الذى خاطب الاتحاد السوفييتى لترتيب صفقة عن طريق تشيكوسلوفاكيا لاعتبارات الحرب الباردة، وبدأت الأسلحة الجديدة ترد إلى مصر. ومع ورود الأسلحة تباعا أخذت أمور تمويل السد العالى تتعقد تدريجيا.
والحاصل أنه فى نوفمبر (1955) سافر عبدالمنعم القيسونى وزير المالية إلى واشنطن للتفاوض مع يوجين بلاك مدير البنك الدولى بحضور ممثل للحكومة الأمريكية والحكومة البريطانية. وفى 16 ديسمبر (1955) أعلنت الخارجية الأمريكية أن البنك الدولى سيتولى تمويل المشروع على مراحل وأن أمريكا ستقدم منحة مالية قدرها 70 مليون دولار لا ترد وكذا بريطانيا التى ستقدم منحة قدرها 20 مليون دولار من باب إبداء حسن النية.
وبدأت الألاعيب من وراء ستار أحيانا وعلنا فى أحيان أخرى وبمختلف الطرق والوسائل، فبسبب صفقة الأسلحة وامتناع مصر عن إيقافها أعلن البنك فى اليوم التالى لموافقته (أى فى 17 ديسمبر 1955 شروطه لتمويل المشروع وهى شروط مهينة كما يلي:
ـ أن تتعهد مصر بعدم إبرام أى اتفاقات مالية أو الحصول على أية قروض دون موافقة البنك.
ـ أحقية البنك فى مراجعة ميزانية مصر بحجة عدم حدوث تضخم، وكأننا فى عهد صندوق الدين والمراقبة الثنائية زمن الخديو إسماعيل. ولما كان بناء السد يستغرق عشر سنوات فإن هذا يتيح لأمريكا مدة من السيطرة الفعالة على شئون مصر المالية وبالتالى يصعب على مصر أن تصرف أموالا أخرى للحصول على مزيد من الأسلحة السوفييتية.
ـ تتعهد مصر بتركيز مشروعاتها فى التنمية على السد العالى فقط وأن تخصص ثلث دخلها لمدة عشر سنوات لهذا الغرض.
ـ استبعاد الكتلة الشرقية من المشروع وأن تجرى عقود الإنشاء على أساس المنافسة (الرأسمالية طبعا) وكان الاتحاد السوفييتى قد أعلن استعداده لتحمل تكاليف البناء مقابل توريد سلع مصرية على مدى 25 سنة.
وكان من الطبيعى والحال كذلك أن يرفض جمال عبدالناصر تلك الشروط المهينة، ولم يوقف صفقة الأسلحة، فتقدمت الولايات المتحدة بعرض آخر للموافقة على التمويل وهو أن يتم توقيع "صلح" مع إسرائيل وتقدمت بمشروع معاهدة حمله روبرت آندرسون وزير الخزانة. فما كان من عبدالناصر إلا أن قدم طلب مصر فى التسوية وهو إقامة وطن للفلسطينيين على أرضهم تكون حدوده هى حدود تقسيم 1947 مع ربط مصر بالأردن بطريق برى، وهو ما رفضته إسرائيل، وبهذا أخفقت مهمة آندرسون مع نهاية يناير 1956. وكانت صفقة السلاح التشيكية تعنى الإخلال بميزان القوة العسكرية فى المنطقة لصالح العرب وضد إسرائيل.
وعند هذا الحد تجمد الموقف دون أى خطوة إلى الأمام على طريق التنفيذ. ولما كانت صفقة السلاح التشيكى تعطى تفوقا لمصر فقد أراد عبدالناصر ضمان استمرار إمداد مصر بتلك النوعية المختلفة للمحافظة على التفوق. ولما كان يعلم أن ظروف الحرب الباردة قد تجعل الاتحاد السوفييتى يمتنع عن توريد السلاح لمصر فقد بادر الزعيم بالاعتراف بالصين الشيوعية فى 16 مايو 1956 وهى مبعدة عن هيئة الأمم المتحدة، لكى يضمن منها السلاح إذا ما توقف الدعم السوفييتي.. فكانت الكارثة.
اشتعلت النار فى رأس الإدارة الأمريكية التى أدركت أن جمال عبدالناصر رجل غير قابل للاحتواء ومع هذا لم تفقد الأمل. ففى 19 يونيه 1956 وبعد شهر من اعتراف ناصر بالصين الشيوعية جاء يوجين بلاك إلى مصر وأجرى محادثات لإقناع مصر بقبول شروط البنك الدولى للتمويل. وفى خلال محادثاته ألمح بطرف خفى إلى احتمال أن يسحب البنك الدولى موافقته على التمويل، وأن تسحب أمريكا المنحة التى لا ترد إذا لم تسرع مصر بالموافقة على الشروط قبل أول يوليو 1956.
ولم يأبه عبدالناصر لهذا التهديد غير المباشر لكنه أصبح على يقين من أن الغرب لن يتركه يمضى فى مشروع بناء السد العالى إلا إذا قبل شروطهم السياسية ودخل بيت الطاعة الدولي. وأمام رفضه الدخول فى الأحلاف الغربية بل والهجوم على حلف بغداد، والارتباط بالحياد الإيجابى ثم الاعتراف بالصين الشعبية، حاولت الإدارة الأمريكية احتواءه بطريقة أخرى إذ طلب البنك الدولى أن تقبل مصر وجود بعثة مالية يكون لها حق مراجعة الموقف المالى لمصر فاعترض عبدالناصر بطبيعة الحال. وحاول الدكتور أحمد حسين سفير مصر لدى الولايات المتحدة إقناعه بقبول هذا الشرط للفوز بالتمويل وتفويت الفرصة على الذين يحاربون المشروع. وكان عبدالناصر معجبا بأحمد حسين منذ كان وزير الشئون الاجتماعية فى حكومة الوفد الأخيرة (يناير1950 ـ 26 يناير 1952) واستقال فى أواخر 1951 لاعتراض مجلس الوزراء على مشروعه لتطوير الريف المصرى حتى لقد طلب منه أن يكون وزيرا فى حكومة الثورة لكنه اعتذر فأراد عبدالناصر أن يستفيد من اتصالاته الدولية فتم تعيينه سفيرا لدى الولايات المتحدة.
وظل عبدالناصر معترضا على قبول البعثة المالية رغم محاولات أحمد حسين، وأخيرا قال له عبدالناصر سوف ترى أن البنك لا يريد أن يمول المشروع بسبب مواقف مصر فى السياسة الدولية، وأنه يضع شرطا معجزا يعلم أننا سوف نرفضه، ومن ثم نكون نحن السبب، وأبلغه بموافقته تليفونيا صباح يوم 19 يوليه (1956) فقام أحمد حسين بإبلاغ جون فوستر دالاس وزير خارجية أمريكا. وآنذاك كان عبدالناصر يحضر اجتماعا لقيادات مجموعة الحياد الإيجابى فى يوغوسلافيا مع تيتو ونهرو. وخرج من الاجتماع وتحدث أمام مؤتمر صحفى عن تصفية الاستعمار، والتعايش السلمى بين الشعوب، وأهمية المساعدات غير المشروطة. وعلى الفور أعلنت الحكومة الأمريكية سحب تأييدها لتمويل السد العالي.
وفى البيان الذى أعلنته أمريكا لتبرير سحب الموافقة على التمويل ذكرت أن مشروع بناء السد يستغرق من 12 إلى 16 سنة، وأن مصر غير قادرة على تخصيص موارد كافية تضمن نجاح المشروع، فضلا عن أن المشروع يحتاج إلى اتفاق أولا بين الدول المشتركة فى موارد نهر النيل (أوغندا والحبشة والسودان). وفى اليوم التالى سحبت بريطانيا عرضها ثم سحب البنك الدولى عرضه أيضا. ومن عجب أن الأسباب التى قدمتها أمريكا لسحب تأييدها للمشروع كانت قائمة عند موافقتها ولم تكن قد استجدت خلال فترة المساومة والمباحثات، مما يؤكد أن قرار منع التمويل قد تم اتخاذه ولم يبق إلا البحث عن أعذار بطريقة أو بأخري.
وبعد أسبوع من سحب تمويل مشروع السد العالى أعلن عبدالناصر فى 26 يوليو 1956 قرار تأميم قناة السويس كما هو معروف. وأصبح الباب مفتوحا لقيام الاتحاد السوفييتى بالتمويل بالعند فى الولايات المتحدة وتحمل ثلثى التكاليف وقدم 400 خبير للمشروع. وانتهت المرحلة الأولى فى منتصف مايو 1964 بتحويل مياه نهر النيل إلى قناة التحويل. وفى منتصف أكتوبر 1967 ارتفع جسم السد إلى منسوب 172 مترا وانطلقت الشرارة الأولى من محطة الكهرباء. وفى التاسع من يناير 1969 تم تشغيل ثلاثة توربينات وفى يوليو 1970 اكتمل المشروع بتشغيل 22 توربينا.
وهكذا انتصر عبدالناصر فى معركة الإرادة، وأصبح أقوى من خصومه دون أن يفقد شيئا من كرامته أو يتنازل عن كبريائه، بل لقد مسح بشروط البنك الدولى الأرض ثم ألقى بها فى قاع نهر النيل.
وفى هذا الخصوص لسنا فى حاجة إلى تكرار أهمية هذا المشروع فى خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية فهذا أمر معروف وثابت لا ينكره إلا كل لئيم. ويكفى القول إن الهيئة الدولية للمشروعات الهندسية المعمارية اعتبرت السد العالى أعظم مشروع هندسى فى القرن العشرين من 22 مشروعا معماريا تم على مستوى العالم حيث إنه يتحمل زلزالا قوته 7 درجات على مقياس ريختر؛ وأنه حمى مصر من خطر الجفاف والتصحر الذى أصاب كثيرا من الدول الإفريقية.. إلخ.
غير أن السد العالى الذى هو سد العزة والكرامة تعرض فى السنوات الأخيرة لكثير من الانتقاد فى سياق انتقاد كل سياسات عبدالناصر وكأنها سياسات شخصية لا تخص الوطن والأمة. وفى سياق الهجوم والانتقاد انفتح الباب على مصراعيه للحديث عن "سلبيات" السد العالى وهو حديث غريب فى بابه لم يتحدث به أحد من قبل. ولما لم يجدوا أى سلبيات أثاروا مشكلة تهجير أهالى النوبة من موطنهم الأصلى وحرمانهم من التعويض المناسب لفقدانهم أراضيهم. وهو حديث ممجوج ذلك أن المشروعات الكبرى فى أى بلد على مر التاريخ لها ضحايا من أجل المجموع.. فلقد كان من الممكن أن يقام هذا السد فى أسوان نفسها أو فى قنا أو فى الجيزة قبل أن يتفرع النيل لكن المشكلة أن إقامته فى مكان آخر غير الذى أقيم فيه كان يترتب عليه التضحية بعدد أكبر بكثير من أهالى النوبة الذين يتحدثون عما حاق بهم من ضرر.
وفى هذا الخصوص لنا فى التاريخ أسوة حسنة.. فعندما حدثت الثورة الصناعية فى أوروبا فى منتصف القرن الثامن عشر ترتب عليها إقامة المصانع الكبيرة على الأرض الزراعية بعيدا عن المدن حماية لها من الدخان الناتج من الاحتراق، وتمت التضحية بمصالح الفلاحين الذين يعيشون على تلك الأرض. ولم ينتقد أحد تلك المشروعات، بل إن بلدا مثل إنجلترا أصدرت قانون "الوشم" لكى تفرض على فلاحى الأرض الزراعية التى أقيمت عليها المصانع أن يعملوا فيها وكانوا يرفضون التخلى عن ثقافتهم الزراعية. والوشم عبارة عن علامة توضع على ذراع الفلاح الذى يرفض العمل فى المصنع ومعناه أنه أصبح مشردا ويقع تحت طائلة القانون. ولم ينتقد أحد هذا السلوك الإنجليزي.
وعندما قام الخديو إسماعيل فى مصر (1863 ـ 1879) بردم فرع من فروع نهر النيل عند الجيزة وضم مساحته لدائرته وأقام عليها سرايات أولاده ومن هنا سمى حى بين السرايات ومنها قصر ابنته الأميرة فاطمة (كلية الآداب جامعة فؤاد الأول فيما بعد) لم ينتقده أحد بل اعتبر ذلك من باب العمران وتطوير البلاد..
لكن عندما يقدم عبدالناصر على مشروع عملاق من مشروعات التنمية يتم فيه التضحية بقلة قليلة فى سبيل المجموع تقوم الدنيا ولا تقعد.. ألم يترتب على انتصار الحلفاء فى الحربين العالميتين الأولى والثانية موت الملايين من الأبرياء مع تخريب المدن والمصانع.. ومع ذلك لا يتحدث أحد عن هذه الخسائر وعن أولئك الضحايا. لكننا فى مصرنا العزيزة ابتلينا بحفنة من حملة المباخر وضاربى الدفوف ونافخى المزامير الذين لا يعجبهم العجب ولا الصيام فى رجب.. ولا يدرون أنهم بانتقاداتهم الغبية لمنجزات ثورة يوليو التى انتهت برحيل زعيمها إنما يتوحدون بشكل مريض مع أعداء مصر التاريخيين وكل همهم السهر على تنفيذ الأجندة الأمريكية ـ الإسرائيلية فى المنطقة والعياذ بالله.

 

أغانى السد العالي

 

 بقلم سليم سحاب
العربى 17\1\2010
أنا الشعب لا أعرف المستحيلا

يرجع تاريخ الأغنية الوطنية المعروفة فى مصر إلى القرن التاسع عشر فى أثناء الحكم العثمانى، لكن الأغنية الوحيدة التى دخلت التاريخ كأغنية وطنية فى ذلك العهد: دور عشنا وشفنا الذى لحنه وغناه زعيم مدرسة التلحين المصرية فى القرن التاسع عشر محمد عثمان ويعرض فيه تعسف الاحتلال البريطانى فى تلك الحقبة ويقول الدور فى مطلعه:
عشنا وشفنا سنين.. ومين عاش يشوف العجب:
شربنا الضنى والأنين.. جعلناه لروحنا طرب
غيرنا تملك وصال.. وإحنا نصيبنا الخيال
كده العدل يا منصفين؟
لكن هذه الأغنية على الرغم من كلماتها المعبرة عن الحال المراد وصفه فإن موسيقاها جاءت تقليدية جدا حسب تقاليد تلحين الدور فى ذلك الوقت.
ولم تبدأ الموسيقى الوطنية تظهر بقوالب جديدة كالمارش والأغنية الحماسية إلا مع الشيخ سيد درويش، فظهرت معه الكثير من الأغنيات على إيقاع المارش: نحنا الجنود زى الأسود، أحسن جيوش فى الأمم جيوشنا والجيش رجع من الحرب بالنصر المبين وغيرها الكثير التى توزعت على مسرحياته الغنائية الثلاثين، وطبعا جاءت هذه الفورة من الأناشيد للتعبير عن ثورة سعد زغلول التى انتهت بسرعة وانتهى معها عهد الأغنية النضالية برحيل سيد درويش سنة 1923 . وجاءت قضية فلسطين سنة 1948 ليعطى محمد عبدالوهاب قصيدة «فلسطين» التى هى أقرب إلى التعبير عن الحزن العميق حتى البكاء لفقدانها ثم لحن محمد عبدالوهاب أغنيتين رائعتين وطنيتين وهما مصر نادتنا فلبينا نداها وطابعها قريب إلى الأغنية الرومانسية الوطنية كأعمال شوبان فى الموسيقى الغربية والثانية نشيد الجهاد وفيه عناصر كثيرة من الأناشيد كغناء المجموعة والتوزيع واللحن الحماسى نفسه والإيقاع.
لكن العصر الذهبى للأغنية الوطنية فى مصر جاء دون أى شك مع ثورة يوليو وتلاحق الأحداث السياسية يوميا. وقد جذبت هذه الأحداث كل الفنانين كما يجذب المغناطيس نشارة الحديد فبدأ عهد جديد للأغنية الوطنية والقومية فى مصر. وإذا كان مزاج الأغنية الوطنية فى بداية الثورة هادئا فقد أخذ يتغير ويكبر ويتجه إلى النضج والتوتر والحماس مع الأحداث التى سبقت تأميم قناة السويس إلى أن وصل إلى ذروته إبان العدوان الثلاثى حين ظهرت مجموعة من أعظم الأغنيات والأناشيد فى تاريخ الأغنية الوطنية التى عبرت عن هذه المرحلة: حاضرب لآخر نقطة فى دمى (يوسف شوقي) دع سمائى (على إسماعيل) الله أكبر (محمود الشريف) وعشرات غيرها.
وتوالت الأحداث لغاية وصولها إلى سبب قيام حرب السويس: بناء السد العالى الذى أدى رفض البنك الدولى تقديم قرض مالى لبنائه إلى اتخاذ الزعيم جمال عبدالناصر قراره التاريخى بتأميم القناة لتأمين المال الضرورى لبناء السد.
وبدأت مرحلة الحلم الكبير: حلم بناء السد العالى وجذب هذا مواهب الشعراء والملحنين والمغنين ليتغنوا بهذا المشروع العظيم الذى وعد مصر بالرخاء فظهرت فى تلك الفترة مجموعة كبيرة من الأناشيد والأغنيات تتغنى بالسد الذى وهب مصر طاقة كهربائية جبارة فى ذلك الوقت كما أمّن لمصر المياه التى حمتها فى عدة مواسم جفاف أصابت افريقيا سنين طويلة.
ولقد أحصينا من ضمن التسجيلات المتاحة 15 عملاً جاءت لتتغنى بالسد ولكن للأسف ليس عندنا كل التفاصيل عنها: من لحنها أو من نظم كلماتها.
وسنكتفى بذكر الأسماء التى نعرفها وكذلك اسم الأعمال وتحليلها بقدر المستطاع.
كانت أول أغنية ظهرت عند قرار البدء بالعمل لتحويل مجرى النيل أغنية «جنبنى السد» تغنيها المجموعة (رجال) وجاء لحنها بسيطا ولكن يحمل روح الإصرار على البناء من خلال الحماس فى غناء المجموعة. بعد تلك الأغنية تتابعت الأغنيات فجاءت أغنية لكارم محمود: السد العالى بلحن حماسى وتتناوب فيها المجموعة (رجال) والمطرب الغناء بشكل حواري. وغنت نجاة «سد عالي» الملحنة بأسلوب رقيق يليق بصوت نجاة الرائع وسنجد فى هذه الأغنية الغناء الحر فى بدايتها ثم يبدأ الغناء بمصاحبة الإيقاع مع ردود المجموعة مع المطرب. ولابد من ذكر أغنية محمد عبدالمطلب «الله يا سد عالي» التى لحنت على طريقة غناء عبد المطلب المحببة. ثم أغنية شادية «بلد السد» وأغنية سعاد محمد قصيدة يا عمال السد.
ولابد من ذكر الاستعراض الراقص الرائع الذى قدمته فرقة رضا الاستعراضية فى عصرها الذهبى وعلى رأسها المواهب الكبيرة العالمية الثلاث: على رضا ومحمود رضا والراقصة الرائعة الرائدة فريدة فهمى ومن ألحان على إسماعيل. وقد اتسم هذا الاستعراض بالألحان الحماسية المتوثبة والكوريجرافيا السريعة الإيقاع وحركات الراقصين الرائعة المعبرة عن فرحة الشعب بهذا الحدث العظيم.
ونصل إلى الأغنيات الكبيرة التى عبرت عن هذا الحدث التاريخى العظيم. ونبدأ بأغنية السد لأم كلثوم ونظم عزيز أباظة ولحن الكبير رياض السنباطي. وتتضمن القصيدة أبياتا رائعة فى بدايتها:
كان حلما وخاطرا واحتمال.. ثم أضحى حقيقة لا خيالا
حتى يأتى البيت الذى يستعمل فيه الشاعر لعبة المفارقة اللغوية بشكل رائع: يفتح الرزق وهو سد فينساب جنوبا فى أرضنا وشمالا.
وجاء لحن القصيدة بأسلوب السنباطى التقليدى الكلاسيكى المعروف الذى عرفناه فى قصائده لأحمد شوقي: ولد الهدى، سلوا قلبى، إلى عرفات الله.. وغيرها من القصائد العصماء.
وقد جاء استقبال الجمهور لهذه القصيدة حماسيا وزاد حماسه المناسبة التى قدمت فيها القصيدة فى يوم احتفالى فى القاعة الكبرى فى جامعة القاهرة حضره السفراء العرب والأجانب وكبار رجال الدولة المصرية على رأسهم الرئيس جمال عبدالناصر. وجاء هتاف الجمهور الحماسى فى محطات معينة من الأغنية ليعبر عن تفهم الجمهور للقصيدة والهدف الذى تعبر عنه. أولى هذه المحطات ثم أضحى حقيقة لا خيالا، عجز البيت الأول. لكن استقبال الجمهور وهتافه بلغ ذروته عند عبارة: يفتح الرزق وهو سدّ حيث قوطع غناء أم كلثوم بالتصفيق الحاد والهتاف.
أغنية ثانية لحنها رياض السنباطى لأم كلثوم عن السد هذه المرة قصيدة زجلية نظمها عبدالوهاب محمد ويقول مطلعها:
حولنا مجرى النيل.. يا سلام على ده تحويل
حيكون تحويل لحياتنا.. مش بس لنهر النيل
وجاء أسلوب اللحن فيها أقرب إلى أسلوب السنباطى فى أغنياته العاطفية لأم كلثوم.
ويأتى ذكر السد فى إحدى أروع أغنيات السنباطى لأم كلثوم من نظم عبدالفتاح: طوف وشوف، حيث يقول فى المقطع الثالث:
كل ده كانت كنوز الماضى شوف حاضر بلادي
شوف كنوز الثورة فيها والمواهب والأيادي
اللى بيهم سدنا يعلا وفيض الله يزيد
يزحفوا بالميه يخلق من العدم عالم جديد
وجاءت هذه الأغنية بأسلوب حماسى ولكن صارم خاصة فى المقاطع التى تغنيها مجموعة الرجال.
ومن أجمل الأغنيات التى تغنت بالسد أغنية صلاح جاهين ومحمد الموجى وعبدالحليم حافظ: بستان الاشتراكية وتبدأ بعبارة ـ مفتاح أبدعها صلاح جاهين: افتح افتح افتح ـ اقفل اقفل اقفل ـ حول حول حول.واضح فيها تأثره الكبير بالعظيم بيرم التونسى الذى كان فى الكثير من الأحيان يبدأ قصيدته ببيت يختصر كل القصيدة كقصيدته لأم كلثوم:
نصرة قوية. ويأتى التلاعب بالتصوير اللحنى ليتماشى مع التلاعب بهذه الألفاظ: افتح افتح على حوض الورد ابوتمانين مليون شجراية
اقفل اقفل عالحيرة السيرة وهات شربات للكل
واقفل عينيك وافتحها تلاقى الشوك بقى فل
وتأتى ذروة الأغنية عند عبارة حوّل، حيث يتحول اللحن إلى فرح شعبى جارف بإيقاع وثاب متدفق وقوى عند: حول، حيث يلعب الكورال الرجالى دوره الأكبر فى الحوار مع المطرب كل هذا على مقام الهزام «المحبب عند الموجي» وهو المقام الأساسى والرئيسى للتوشيحات الدينية.
ولحن محمد عبدالوهاب أغنيتين خصيصا للسد أولاها: ساعة الجد. وفيها خطان مختلفان واضحان يمشيان جنبا إلى جنب: غناء المطرب (محمد عبدالوهاب) الذى يعبر عن الأحداث المواكبة لبناء السد يغنيها بأسلوبه الرائع المعهود على نفس الإيقاع المتوتر الذى يرافق كل الأغنية والذى يهدأ عند الغناء المنفرد. الخط الثانى هو الذى يحمل التعبير الأساسى عن بناء السد. يغنيه كورال الرجال على طبقات عالية متوترة وبلحنين مختلفين مع إيقاع متوتر جدا تلعبه الطبول السيمفونية ومعها آلات إيقاع معدنية «كسيلوفون» تصويراً للمطارق التى تضرب الحديد.
أعظم لحن وضعه محمد عبدالوهابل للسد ومن أعظم ألحانه لأم كلثوم هو دون شك «على باب مصر» نظم كامل الشناوي.
يبدأ اللحن بجملة ملحمية وكأن الحاضر ينظر بعيدا فى التاريخ. واضعا يده على جبهته. ثم يبدأ الإيقاع على لحن وثاب قلق ومتوتر يعزفه الأوركسترا المطعم بآلات النفخ النحاسية: ترومبات وترومبونات مع آلات الطبول السيمفونية لزيادة الشحنة الدرامية ينساب بعدها الايقاع الأساسى تعزفه آلات الايقاع محلاة بعزف الترومبات كل هذا محاط بجو من العظمة الموسيقية العالية التى تعبر عن عظمة مصر قديما وحديثا وعظمة الحدث الموصوف.
بعد نهاية المقدمة الملحمية تبدأ مجموعة الرجال بالغناء المليء بالرجولة والعزة والكرامة. وينهى غناءه بأسئلة تدخل فى باب المفارقة اللغوية المحببة عند كامل الشناوي:
أمعجزة ما لها أنبياء؟.. أدورة أرض بغير فضاء؟
بعد هذه المقدمة الملحمية يبدأ غناء أم كلثوم العظيم مارا من عهد مينا لعهد جمال بوصف موسيقى رائع.. ويستمر السرد الموسيقى هذا ليصل إلى الزمن الحديث ويهدأ التوتر شيئا فشيئا لغاية ما يختفى نهائيا مع المقام الذى حمله ليفاجئنا الملحن بمقام البياتى الهادئ، مقام التجويد القرآنى المعبر عن الهدوء النفسى العميق عند وصوله للمرحلة التاريخية المعاصرة: مرحلة بناء السد:
بسد منيع عجيب البناء
يبث الرخاء ويوحى الثقة.
بعد ذلك يصل المؤلف إلى وصف إرادة الشعب الجبارة الذى لا يحول أى شيء دون وصوله إلى أهدافه: مارش «أنا الشعب» الذى يبدأه عبدالوهاب بمفاجأة لحنية كبيرة: بداية ايقاع مارش جبار على آلات الطبول السيمفونية يليها آلات النفخ النحاسية بجملة توحى بمقام العجم المعبر عن الفرح والأحداث العظيمة. فجأة تنزلق الأوركسترا الوترية العربية إلى مقام الراست الذى تعجز الترومبات عن أدائه.
أنا الشعب أنا الشعب لا أعرف المستحيلا
ولا أرتضى للخلود بديلا
لتنتهى الأغنية إلى صاحب الفضل فى بناء هذا الصرح العظيم:
وعندى الجمال.. وعندى جمال
تطلقها صرخة مدوية: الأوركسترا ومجموعة من الرجال وأم كلثوم.
هذا بالنسبة للأسلوب الملحمى للتعبير عن ملحمة بناء السد العالي.. ولكن الأسلوب الشعبى العظيم يتجلى فى لحن كمال الطويل ونظم أحمد شفيق كامل: حكاية شعب «قلنا حنبني».
تبدأ الأغنية وكأنك هابط بالمظلة وسط فرح شعبى عارم: الايقاعات البهيجة الفرحة والزغاريد والتصفيق الموقع اللذين يستعملان هنا لأول مرة كأداة للتعبير الفنى الموسيقى عن الفرحة الشعبية وتبدأ الأغنية بالكورال الذى يغنى لحنا شعبيا جارفا ينضح بعبق سيد درويش الشعبى ويقوى هذا الطابع الشعبى الجارف العملاق التصفيق الموقع والزغاريد لزيادة الجرعة الشعبية فيه.
ويبرز عبق سيد درويش كذروة عالية فى عبارة «هى الكلمة ودى إحنا بنينا»، ولزيادة التوتر العالى المسيطر على هذا المطلع الشعبى العظيم يوقف المحلن التصفيق الموقع عند هذه العبارة ليرجع أقوى وأكثر توترا وإثارة وتأثيرا انفعاليا عند إعادة المطلع «قلنا حنبني» ثم يأتى صوت مصر ليتدخل فى هذا الفرح الشعبى الجارف والعارم: اخواني. وكأن الشعب لم يسمع من المرة الأولى فيستمر فى هيجانه الجارف ليتوقف عند ثانى مرة يسمع فيها كلمة: اخواني. ويبدأ صوت مصر بسرد الحكاية: هى حكاية حرب وتار بينا وبين الاستعمار مرورا بالاحتلال الانكليزى ومشانق دنشواى لغاية الثورة المجيدة ثورة يوليو: يوم ما أشعلناها ثورة نور ونار وصولا إلى الجلاء ورجوع الأرض الحبيبة الطيبة لأدين صحابها، التى تأتى على جملة لحنية رقيقة جدا خالية من كل توتر سبقها، لتعبر عن تعلق الفلاح بأرضه كتعلق الطفل بأمه. ويأتى التفكير ببناء المستقبل مرورا بالنيل الذى تهدر مياهه بينما «الصحارى بشوقه إليه» والتفكير ببناء السد ووقوف الاستعمار حائلا دون ذلك ثم الضربة القاصمة التى وجهها الزعيم عبدالناصر للاستعمار بتأميمه للقناة، وفرحة الشعب: ضربة كانت م المعلم، ثم الاعتداء الثلاثى بانتصار الشعب المصرى ثم بداية بناء السد. ولا ينسى السرد الشعوب العربية التى فجرت أنابيب النفط فى سوريا ولبنان تضامنا مع شعب مصر والعروبة فى كل دار وقفت معانا.
وتصف الأغنية هذه الأحداث الجسام بكل بساطة وبكل عبقرية: ببساطة العبقرية بمستوى عال من الإحساس والغور إلى أعماق روح الموسيقى الشعبية بشكل شمولى إنسانى خالد لم تعهده الموسيقى العربية إلا فى أعمال سيد درويش.
هكذا كان السد العالى وبناؤه حافزا كبيرا على تحريك عبقرية الفنان المصرى شاعرا وملحنا ومغنيا لإعطاء أعظم الأعمال الفنية التى دخلت تاريخ الموسيقى العربية الحديثة كأعمال موسيقية عظيمة ليس فقط للحدث التى عبرت عنه بل لعبقرية الفنانين الذين عبروا عنه أيضا.


الوثائق الأمريكية تفضح خطط الضغط على عبدالناصر

 قبل سحب تمويل السد العالي

 

 بقلم د جمال شقرة
العربى 17\1\2010

إن المتتبع للوثائق الأمريكية وكذا للتقارير التى كان يكتبها السفير المصرى بواشنطن أحمد حسين يلمس إلى أى حد كانت خطط الضغط على عبدالناصر ومحاصرته أو محاولة قص أجنحته حسب تعبير هيكل تتطور وتتبلور وتتصاعد للدرجة الذى كان من الممكن أن تؤدى بالفعل إلى خنقه وإذلاله ومعه الشعب المصرى فى حالة عدم إدراكه خطط الغرب أو فى حالة خنوعه أو تراجعه فى مواجهتها، فخلال الفترة بين فشل مهمة أندرسون مارس 1956 وسحب الولايات المتحدة وانجلترا لقرارهما بالمشاركة فى تمويل مشروع السد العالى 19 يوليو 1956 كانت إدارة أيزنهاور قد أصبحت أكثر تخوفا على مصالحها فى الشرق الأوسط من ممارسات عبدالناصر للدرجة التى دفعت جون فوستر دالاس فى أحد الاجتماعات التى عقدت مع الرئيس ايزنهاور إلى القول بأنه ربما يشرع عبدالناصر فى تصفية إسرائيل، وفى هذه الحالة سيتوجب علينا احتلال المنطقة «منطقة الشرق الأوسط» جميعها، حماية لخطوط أنابيب البترول، لكن سرعان ما توارى هذا الاحتمال البغيض الذى طرحه دالاس، لأن ايزنهاور كان مقتنعا بما نقله بابرود، من أن عبدالناصر لن يهاجم إسرائيل لذا اتجهت الخطط الأمريكية بالتنسيق مع انجلترا نحو الاستمرار فى الضغط على عبدالناصر ومحاولة عزله والتفريق بينه والسعودية وسوريا، فضلا عن تنفيذ بقية بنود الخطط التى تم الاتفاق عليها.
ولعله تجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من التنسيق السياسى السرى بين الولايات المتحدة وانجلترا، الذى وافق عليه ايزنهاور فإن الولايات المتحدة الأمريكية النجم الصاعد فى سماء العلاقات الدولية وقتئذ وحسب توجيه ايزنهاور نفسه، احتفظت لنفسها بخطط مستقلة فيما يخص موقفها من عبدالناصر، كان من أهم أركان هذه الخطط، ما عبرت عنه الوثائق الأمريكية «بالجسور» التى يجب أن تترك لعبدالناصر حتى يمكنه أن يعود عليها، وحتى لا يرتمى تماما وإلى الأبد فى أحضان السوفيت، المهم أن يشعر بعد الضغوط بالندم، وبأنه لم يكن موفقا أو محظوظا بالتعامل مع السوفيت، وبالطبع كان الإبطاء والتسويف فى تحديد موقف الولايات المتحدة من تمويل مشروع السد العالى أحد أساليب الضغط بل أهمها.
إلا أن عبدالناصر فى هذه الفترة كانت له خططه وتكتيكاته، بل لديه قرارات مدروسة وجاهزة لتعلن فى الوقت المناسب، وهى قرارات كان من المحتم فور الإعلان عنها والشروع فى تنفيذها، أن تقلب خطط الغرب رأسا على عقب، كانت أهم الخطط والقرارات التى درسها عبدالناصر وجمدها لحين توفر الظروف المناسبة على النحو التالي:
أولا: قرار بضرورة تمصير المصالح الأجنبية وتأميم شركة قناة السويس
ثانيا: قرار بضرورة الاعتراف بالصين الشعبية.
فمن ناحية كان عبدالناصر، وكما أعلن عن ذلك فى مرحلة مبكرة جدا «18 نوفمبر 1953» قد استفزت إحجام رأس المال الأجنبى عن المشاركة فى المحاولات المبكرة التى بدأتها ثورة يوليو لانعاش الاقتصاد المصرى، وذلك بالاتجاه إلى التصنيع ومن هنا درس موقف كبار الرأسماليين الأجانب، ومدى ثقلهم وحدود سيطرتهم على الاقتصاد المصرى، وقرر تمصير أو حسب تعبير على صبرى تأميم المؤسسات والشركات والبنوك وكل المصالح الأجنبية العاملة على أرض مصر كان ذلك فى أواخر 1954 لكنه انتظر أن تحن الظروف المناسبة.
وكان الأهم والأخطر بالطبع هو دراسته لموضوع شركة قناة السويس وانتهاؤه إلى ضرورة تأميمها، فحسب رواية على صبرى وغيرها كان عبدالناصر قد حسم هذا الموضوع قبل سنتين من الإعلان عن يوم 26 يوليو 1956.
من ناحية أخرى، درس عبدالناصر بعد عودته من باندونج موقف مصر من الصين الشعبية، وكان رأيه أن الصين تمثل قوة كبرى فى آسيا وأن اعتراف مصر بفورموزا أو الصين الوطنية، دون الصين الشيوعية أمر غير منطقى وضد حركة التاريخ، لكنه أجل القرار أيضا لأنه فى ذلك الوقت، صيف 1955، لم يكن يرغب فى إثارة غضب الولايات المتحدة، فضلا عن أن محاولات الحصول على السلاح من الغرب كانت لاتزال مستمرة.
على أية حال لم يتأخر كثيرا إعلان قرار اعتراف مصر بالصين الشعبية، فسرعان ما دفعته الظروف إلى إعلان ذلك يوم 19 مايو 1956 كان ذلك فى أعقاب زيارة خروشوف إلى لندن «أبريل 1956» وإعلانه موافقته ـ من حيث المبدأ ـ على أن تعمل الدول الكبرى على تخفيف حدة التوتر فى الشرق الأوسط، وأن يبدأ ذلك بالاتفاق بينهما على تحديد صادرات السلاح إلى المنطقة، حيث ترجم عبدالناصر موافقة خروشوف المبدئية على تحديد صادرات السلاح إلى المنطقة، على أنه من الممكن أن يؤدى إلى حرمان مصر من السلاح السوفيتى، فى الوقت الذى ستجد فيه إسرائيل أكثر من طريقة للحصول على السلاح من الغرب، لذا فكر أن يفتح بابا آخر يؤمن منه فرصة مصر فى الحصول على السلاح، وكان هذا المصدر هو الصين الشعبية التى لم تكن قد دخلت الأمم المتحدة كعضو مما يعفيها من الالتزام بالحظر الذى قد يفرض على تصدير السلاح عن طريق الأمم المتحدة.
وكان هذا الاعتراف صفعة عنيفة جديدة للغرب، عدتها إدارة ايزنهاور مظهرا وبرهانا لانحراف عبدالناصر واندفاعه بعيدا عن الغرب، أما القرار الثانى قرار تأميم شركة قناة السويس، فقد تأخر حتى كانت اللحظة التاريخية المناسبة، بعد أن قررت الولايات المتحدة وانجلترا، أن تنتقل من الضغوط إلى العمل المباشر ضد مصر، وذلك بسحب مساهمتها فى تمويل السد العالى 19 يوليو 1956 وبطريقة مهينة استهدفت إذلاله، فأعلن عبدالناصر 26 يوليو 1956قراره التاريخى بتأميم الشركة العالمية لقناة السويس لتصبح شركة مساهمة مصرية وليحقق بذلك حلما طالما رواد الشعب المصرى لسنوات طويلة.
كان هذا القرار التاريخى، واحدا من سلسلة من القرارات المهمة التى تحدى بها عبدالناصر الاستعمار، إلا أنه كان أخطرها على الإطلاق، ولقد استقبله الشعب المصرى وكذا شعوب الأمة العربية بفرحة غامرة، حتى أن بعض رموز القوى السياسية الداخلية التى كانت لا تزال تعارض عبدالناصر منذ 1952 أيدت القرار، لقد فجر هذا القرار طاقات هائلة داخل مصر والوطن العربى وعبأ الشعب العربى من المحيط إلى الخليج على نحو غير مسبوق.
ولقد أيد الاتحاد السوفيتى قرار عبدالناصر، حيث رحب وزير الخارجية السوفيتى شبيلوف بالقرار وأعلن أن سيادة الدولة المصرية على القناة أمر لا يمكن أن يثير أية شكوك، كما أعلنت الحكومة السوفيتية بيانا فى التاسع من أغسطس 56 وصفت فيه قرار تأميم القناة بأنه عمل مشروع.
أما العواصم الغربية فكانت تغلى اثر إصدار هذا القرار الذى قدر له أن يضع العالم كله على حافة أزمة خطيرة، فكيف أدار عبدالناصر معركته مع الغرب هذه المرة؟ وهى معركة كانت جزءا من صراع طويل، بدأ فى أعقاب الحرب العالمية الثانية على مقادير الشرق الأوسط والعالم العربى ومصر فى القلب منه.
كان عبدالناصر قد توقع أن تكون ردود الفعل فى الغرب عنيفة، خاصة رد فعل انجلترا وفرنسا كما توقع أن تواجه مصر بتهديدات عسكرية، يمكن أن تتحول إلى حرب، وكان تقديره أن الولايات المتحدة لن تتدخل عسكريا ضد مصر لأن تدخلها ضد دولة صغيرة سينظر إليه على أنه دليل على إفلاسها السياسى، فضلا عن أنه سيحرجها أمام الدول العربية التى لها مصالح حيوية فيها، وفى مقدمتها السعودية، ومع أنه كان يعرف أن دالاس لا يختلف عن ايدن من حيث كراهيته له، لكنه قدر أن دالاس لن يشارك ايدن رغبته الشديدة فى القيام بعمل مسلح ضد مصر، وأن دالاس وايزنهاور سيفضلان الاستمرار فى الضغوط الاقتصادية وسياسة عزل مصر التى بدأتها الولايات المتحدة بالفعل قبل إعلان انسحابها من تمويل مشروع السد العالى، كما كان يعتقد أن فرنسا لن تتدخل بسبب انشغالها بثورة الجزائر أما إسرائيل فاستبعد أيضا اتخاذها تأميمه لشركة القناة ذريعة لتشن حربا ضد مصر، ستكون فى الواقع موجهة ضد الأمة العربية كلها، وفى حالة محاولتها، فإن الولايات المتحدة حسب تقديره ستقف حتما ضدها.
وكان تقديره بالنسبة لانجلترا أنها بالفعل الطرف الذى يخشى من تحركه عسكريا ضد مصر، لكنه قدر أن انجلترا أمامها شهران على الأقل لتستعد عسكريا بسبب بعثرة قواتها، وكعادته، خطط عبدالناصر لفرض الأمر الواقع واحتواء غضب الغرب خاصة الولايات المتحدة الأمريكية ليفوت الفرصة على انجلترا وذلك بإدارة القناة بكفاءة خلال الشهرين اللذين تحتاجهما انجلترا لتكمل استعداداتها العسكرية، ومن هنا انصب كل اهتمامه بعد إعلان القرار، على إدارة المرفق بنجاح، وعلى كسب الوقت حتى يتمكن من تعبئة الرأى العام العالمى لصفه، وضد اعتداء انجلترا إذا وقع، والأهم من ذلك أنه عاد إلى اسلوبه المفضل، محاولا استغلال التناقضات بين انجلترا والولايات المتحدة والتناقضات بين المعسكرين الشرقى والغربي.
ونفذ عبدالناصر خططه بنجاح، ولعبت الدبلوماسية المصرية دورا مهما شهد له ايزنهاور حتى 29 أكتوبر 1956 فى الدفاع عن حق مصر فى تأميم القناة وحقها فى سيادتها على أراضيها.
كان عبدالناصر قد انتهز فرصة العدوان الثلاثى وقام بتمصير المصالح الأجنبية ليدعم الاستقلال السياسى بالاستقلال الاقتصادى، كما قطعت مصر فى علاقتها الدبلوماسية بانجلترا وفرنسا فى الأول من نوفمبر 1956 ومع بداية العمليات الحربية كانت القوات المصرية بمنطقة القناة قد استولت على القاعدة البريطانية وفى أوائل يناير 1957 قام عبدالناصر بإلغاء اتفاقية الجلاء.
إلا أن عبدالناصر بعد انسحاب قوات العدوان بدأ يستشعر أن معركة السويس لن تكون الأخيرة فى صراعه مع الغرب، وأن الولايات المتحدة رغم أنها وقفت ضد العدوان وأسهمت بدور كبير فى هزيمة انجلترا وفرنسا، إلا أن موقفها من ثورة يوليو لا يختلف كثيرا عن موقف انجلترا وفرنسا، اللهم إلا فى الوسائل، وكان عبدالناصر قد قام بجس نبض إدارة ايزنهاور، بعد العدوان عندما طلبت مصر معونة عاجلة من السلع الغذائية والوقود والأدوية فرفضت الولايات المتحدة كما رفضت أن تلغى قرارها بتجميد أرصدة مصر لديها، وعندما طلبت مصر الإفراج عن 27 مليون دولار من أموالها حتى تستطيع أن تشترى بها قمحا رفض طلب مصر أيضا.. وهكذا استمرت معركة مصر مع الغرب وكان لابد من جولة جديدة وهو ما سيتم التخطيط له بين 57 حتى 1967 حتى يكون العدوان والتآمر فى يونيو.

 

 


راس الواحد زى ما تكون بتلف فـ «حلم»

 



للشاعر الكبير: عبد الرحمن الأبنودى


أسوان
زوجى الغالي
لوسطي
حراجى القط
العامل فى السد العالي
أما بعد..
فنعرفكم.. إحنا بخير..
ولا يلزمنا الا رؤية وجه الغايبين..
مرزوق البسطاوي
مرته وضعت.. دفت ولدين
جوابك وصل الجبلاية امبارح..
لكن مرزوق..
ماسر حشى غير اليوم
وما دنتو ف صحة وعال..
احنا ما يلزمناش..
اكتر من ورق ف ظرف..
ناس الجبلاية كبيرا وصغيرا عاوزين رؤياك..
قوللى يا حراجى بحق..
عامل كيف بس ف ليل الفرقة..
واللى ما خش دماغى حاجة من اللى كاتبه فى الورقة..
ويا خوفى عليك..
بيقولوا فيه ناس ماتوا..
فى اللى اسمه السد..
طمنا عليك إحراجي..
قسما مع بيت العطار.. بلح النخلة الشّرك
إذا كان لازمك منه يا حراجي..
ابعت قول..
مش راح تاجي..
طالقالك فى البيت فروج..
علشان لما تعود م الأسوان دي.. تلاقيلك حتة لحم
وام «على اب عباس» مشغوله عليه..
بدرى ما راسلهاش ليه..
أهى طول اليوم. قاعدة ع العتبة إيد على خد..
وماسكة عود قش بتبكى ونخطط فى تراب الدرب..
طمنا عليك يا حراجى يرضيك المولي.
وإذ كان عال وف خير..
الضحك مع الجدعان..
ولا رساله لامه المشغولة أولي..؟
قلب الام إن صاب الشوق.. يا بوعيد..
يبقى أسخن م رمل القيالة لما يقيد..
يبقى عش خراب بيسرخ على طيره.
وعلى اب عباس عارف ان إمه.. مالهاش فى الدنيا غيره
وامبارح كانت وسط الحريمات..
قاعدة تمسح دمعتها.. ف طرحتها وتقولك
اللى ما نعنى من الموت..
اليوم اللى أشوف «علي» فه متهنى وفاتح بيت..
يومها أقول للدنيا ضحكت عليكي
خلاص غوري..
وقولله يشبع يا حراجي.. الناس زعلانة..
كل الجبلاية واخدة فى خاطرها منه..
وامه غنبها كسب الدخانة..
....
اختك نظلة
رجعت بيع الحاج ركابى امباح من «جرجا»
قالت جاية تريح عند خالاتها وحولد فى اللى يهل.
يا حراجي.
جوابك بيرد الميه للزور الناشف ويبل.
ده احنا عايشين هنا ع السيرة..
وزادنا الأخبار..
زوجتك أحمد عبدالغفار
جبلاية الفار
الجوهرة المصونة
والدرة المكنونة
زوجتنا * فاطمة أحمد عبدالغفار
يوصل ويسلم ليها..
فى منزلنا الكاين فى جبلاية الفار
قولى يا فاطنة للى بنقوله وللى ما بنقللوش..
الدنيا مش عيش بس ولا قروش.
ولا غطيان وفروش.
قولى يا فاطمة للكل..
إن إحنا كنا هبل..
وضيعنا العمر فاشوش.
حتقولى عليا اتجنيت ولا عييت
ويا ريتنى مارحت الداهية اللى مسمينا أسوان..
ولا كنت طلعت من البيت.
لا يا فاطنة اللى بيقول القول ده..
هوه حراجى اياه..
بس اللى قلب راسى يا فاطنة مش سهل..
طب وحياة أولادى ساعات اصحى فى الليل..
عينى تتمط يا فاطنة وارقبكم بين النجم..
واعرف ان احنا ماكناش أهل.
طب كيف أهل يا فاطنة..
وحياة أولادى يا بت الخال حاتجن
قال أهل..
«
ونبيه بت المنزوع..»
مرة اتشاكلت قدام مع أم الملوي..
واتفتح الموضوع.
وتقوللها يا حزينة
ياللى أبوكى مات م الجوع.
والدنيا يا فاطنة فى البر التاني..
قالبة الدنيا.
ما هو ده اللى معفرتلى كياني..
ومدور لى راحة راسي
ومخلينى زى ما كون واحد تاني.
«
نبيه المنزوع» فى البر التانى من الدنيا..
لبست بدلة يا فاطنة سامعاني؟
لبست بدلة..
ونزلت وسط المكن المتخيل تربط وتحل.
إحنا يا فاطنة فين م الدنيا..؟
فين مخ الدنيا الجبار..
ماعرفشى كيف جبلاية الفار..؟
ليه أم على اب ملحو ده داكى فى الدرب..
وقاعدة تخطط فى ترابه وتعدّد؟
يا اهل الدنيا..
أم على اب عباس بتعدد وبتبكي..
لان على قاعد وسطينا
طب تاجى تبص ف وشه
والنبى بقى زى اللى بيسوقوا مراكب شحن ف بحر المينا
يا ناس.
ينعل ام على اب عباس واللى جاب ام على اب عباس
ده الراجل من كتر اللى شافه بقى شعره أبيض.
وقال..
يكتب جوابات..
خليها هيه فـ حالها هناك وسط الحريمات.
دلوقت يا فاطنة..
مش قرشينها بيجوها..
خلاص..؟
دلوقت على اب عباس سُكرَي..
حشاش؟
م الصنف اللى بيغوى النسوان
ده حتى بطل دلوقتى كرسى الدخان.
وحكاية الشوق الزايد ع الحد ده..
ممنوع.
سيبك من غربة جوزك..
واستنى الموضوع
ده انتى يا فاطنة نبيهة..
وان عيد اتعلم بكره..
وقرا حكايتى فى الجرانين..
يبقى عندك علم.
طب والنبى من جهة الهدة..
هدة..
لكن راس الواحد زى ما كون بتلف ف حلم.
أما حكاية كيف صاحب الفاس يصبح أوسطي..
مبسوط أنا ع اللى عامله ف راسك زى الخبطة
يبقى برضه رجايا منصان..
وضروى ماشيه يا فاطنة فى سكة فهم.
لفى العياييل فى الليل م البرد..
وبقدرون على ما تخش الشتوية أنقى لم حرام صوف.
شدى حيلك مع نفسك وولادك اعملى معروف..
وإما يعدلها المولى حناجي.
زوجك لوسطى حراجي

 

 

 

المهندس سعد نصار رئيس جمعية بناة السد قادر على مقاومة القنبلة النووية
بقلم اسامة داود
العربى 17\1\2010
»
الحكومات تعمدت تهميش دوره وحاربت جمعية بناة السد لتصبح حبرا على ورق »الكفراوى أحد البناة ورفض تخصيص مقر للجمعية
»
بدأنا بـ 1500 فرد وانتهينا إلى 500 حاليا
يمثل أحد أعظم 20 مشروعات أنشئ فى العالم خلال القرن الماضى حققت من خلاله مصر وضعا اقتصاديا متميزا بإنتاج 10 مليارات كيلوات/ ساعة من الكهرباء سنويا، كانت تمثل 90% من استهلاك مصر من الكهرباء، وقتها والآن تحقق توازناً فى أسعار الكهرباء عملت به ثلاث جهات بصفة أساسية منها المقاولون العرب التى تعملقت على يد السد العالى، بالإضافة إلى ملايين من الأفدنة للاستصلاح والزراعة والتحويل إلى الرى الدائم ودفع عجلة النمو الاقتصادى وحماية مصر من مخاطر الفيضانات وهلاك الجفاف.
العديد من الحقائق والأسرار حول السد العالى تأتى فى حوار مع المهندس سعد نصار رئيس جمعية بناة السد العالي.
بدأت فكرة إنشاء السد العالى فى نهاية الأربعينيات حيث فكر مهندس زراعى يدعى أدريان دانينوس «يونانى مصري» فى إنشاء سد عند أسوان لتخزين المياه وبرؤية بعيدة المدى بديلا عن التخزين الموسمى والذى لم يكن تجاوز 5 مليارات متر مكعب سنويا أمام سد أسوان القديم.
{
هل تم عرض الفكرة على الحكومة فى حينها؟
}}
نعم عرضت الفكرة ولكن لم تلق قبولا من الجهات الأمنية وهى وزارة الأشغال المائية.
{
وكيف وصلت الفكرة إلى ذهن جمال عبدالناصر؟
}}
أعاد نفس الشخص دانينوس فكرته عندما وجد حماساً لدى قادة ثورة 23 يوليو والتقط ناصر الفكرة وقام بتكليف مجموعة من بيوت الخبرة وخبراء السدود من المصريين والأجانب وقدموا تقريرا فى ديسمبر من عام 1954 أكدوا فيه أهمية المشروع اقتصاديا وصلاحية التنفيذ فنيا، وكان التقرير يتضمن أنه يحمى البلاد من أخطار الجفاف ويقيها غوائل الفيضانات العالية.
{
هل الاستفادة من مياه النيل فقط كانت الهدف من بناء السد أم كانت كل المزايا التى يمكن أن يحققها واضحة من خلال الدراسة؟
}}
كان التوظيف الأمثل للمياه المهدرة والتى تتجه إلى البحر وتمثل خطراً على البلاد من أهم الأسباب لكن كانت الدراسة وفية، حيث أشارت إلى أن السد يضمن تعريفا ثابتا من مياه النيل سنويا بما يسمح بالتوسع الزراعى ويزود الدولة بالطاقة الكهربائية الكبيرة لتكون بداية لإنشاء ركيزة أساسية للتنمية الزراعية والصناعية.
{
هل تعتبر السد العالى من أفضاله أنه كان السبب فى قرار تأميم القناة أم أن عبدالناصر كان يريد التأميم قبل فكرة السد ولكن وظف رفض البنك الدولى فى تمويل السد ليحقق هدفه الأصلي؟
}}
كل ما أعلمه أن فكرة السد ومن يومها الأول كانت تمثل المفتاح السحرى الذى أعطى لمصر قوة فى أن تتحرر من كل مخاوفها وأهمها سيطرة الاستعمار على قناة السويس وامتصاص خيراتها، وكان مشروع السد كهدف قومى تم توظيفه لأهداف قومية أخرى كلها تحققت من خلال السد العالى وفى سبيل إنشائه.
{
ماذا يعنى رفض البنك الدولى التمويل للسد وقتها وعقب إجراء دراسة قام بها البنك الدولى نفسه تقول إنه مشروع مهم جدا ويحقق التنمية لمصر؟
}}
كان رفض البنك الدولى رغم قناعته ما هو إلا التزامه بتعليمات الدول الاستعمارية وبالتالى وضع شروطا مجحفة لقبول التمويل ولم يقل إنه غير مقتنع بفكرة السد.
{
لكن فى اتفاقية تقسيم عائد المياه الذى يتحقق من خلال اجتيازه بواسطة السد العالى مع السودان هل كانت اتفاقية تحديد حصة كل دولة من إيرادات المياه مع السودان وبافتراض إيراد سنوى يقدر بـ 84 مليار متر مكعب مياه فكان من الوفورات التى يحققها السد 22 مليار متر مكعب، ومنحت الاتفاقية الكثير للسودان حيث منحت 5،14 مليار متر مكعب مقابل 5،7 لمصر وكان السبب هو حاجة مصر للسرعة فى إبرام الاتفاق حتى تتفرغ لبناء السد وبعد دخول الاتحاد السوفيتى بعرض تمويل السد ومن خلال قرضين ميسرين لتمويل المكون الأجنبى وبفائدة 5،2% كان عبدالناصر لا يرى أى حساسية فى حصول السودان كدولة عربية على أزيد من حقوقها من المياه.
{
متى بدأ السد يؤتى ثماره؟
}}
كان تحويل المجرى المائى للنيل فى 14 مايو 64 كانت البداية والتى تحقق من خلاله هو أعلى فيضان تشهده مصر وكان السد لم يكتمل ولكن استطاع احتجاز 9 مليارات متر مكعب من المياه ووصل منسوب المياه أمام السد إلى 6،127 متر وهو يقاس ليس بعمق المياه فى تلك المنطقة، ولكن بمستوى سطح البحر وكان هو أول نجاح تحصده مصر من السد الذى كان فى مرحلة الإنشاء.
{
هل راجعت أمريكا نفسها بعد بدء العمل فى السد وبدون الحاجة إلى البنك الدولي؟
}}
نعم، وجاء دالاس وزير الخارجية الأمريكى برفقة الدكتور إبراهيم زكى قناوى وهو العقل المفكر للسد العالى، وقال له لقد أخطأنا فى حق هذا المشروع العملاق وكان ذلك فى 1963.
{
متى تأسست جمعية بناة السد العالى وما هدف إنشائها
}}
بدأت الفكرة مبكرا لكنها تحققت فى 1985 والسبب أننا كنا نريد أن نجمع كل المشاركين فى البناء وأن توظيف الروح التى كانت موجودة لديهم وقت بناء السد فى النهوض بالاقتصاد المصرى مدعومين بماضيهم المشرف وأن تستخدم خبرات كل هؤلاء فى التخطيط لإنشاء مشروعات كبرى وإنشاء مكتب استشارى عملاق يسند إليه تنفيذ المشروعات التى تحتاج إليها مصر والدول العربية بالإضافة إلى الاحتفاظ بوثائق عن السد والتأريخ له.
{
كم كان عدد الموجودين من هؤلاء النخبة.. وهل نجحت الجمعية فى ذلك؟
}}
كان عددنا فى حينها نحو 1500 فرد منهم من كان وصل إلى مناصب رفيعة فى الدولة وتأسست الجمعية.. لكن للأسف لم يتحقق أى شيء حتى الاتصال فيما بيننا كان ولايزال ضعيفا حتى تآكلنا حاليا ووصل عددنا إلى 500 فرد.


{
هل ترى أن الدولة هى السبب فى شل حركة الجمعية؟
}}
نعم للدولة دور خطير حتى أنها لم توفر لنا مقراً للجمعية ومازالت منذ إنشائها بلا مقر ونتطفل على إحدى الجمعيات فى مدينة نصر ليلتقى بعضنا بعضا هناك.

 

كيف تعجزون عن توفير وحدة سكنية وواحد منكم كان وقتها وزيرا للإسكان وهو

 

للأسف اتصلنا به من أجل ذلك ورفض.


{
هل ترى هو تعمد من الحكومة عدم تحقيق رغبة بناة السد فى أن يكون لهم جمعية فعالة.. وما الأسباب التى تدعو إلى ذلك؟


}}
أرى ذلك، وهى أن تخليد ذكرى هذا المشروع القومى العملاق الذى صُنف كأحد أعظم مشروعات فى العالم أنشئت فى القرن العشرين.


{
أين دور الجمعية من متابعة ما يتردد عن السد العالى وهجوم بعض التيارات السياسية عليه فى حقبة الثمانينيات؟


}}
أقول إننا ليس لدينا امكانات وكل دورنا الذى نلعبه هو تحقيق الاتصال فيما بيننا مرتين فى السنة، أحدهما ذكرى بدء العمل فى السد وهى 9 يناير والثانية 15 مايو وهو يوم تحويل مجرى النيل. أما غير ذلك فلا نقدم شيئا.


{
ماذا ترى كمهندس وكأحد بناة السد ما يتردد عن تعرض جسم السد لرشح وتشققات؟
}}
أرى أن كلام مغرض ردت عليه وزارة الكهرباء بزيارات لجسم السد فهو أكبر من أن يصاب بذلك؟


{
ما أسباب ثقتك فى قدرة تحمل جسم السد وهل يمكن تدميره بأى سلاح يستخدم حتى لو نووياً؟


}}
أشك فى ذلك، السد العالى لن يتأثر حتى بالقنبلة النووية لأنها عبارة عن جبل ولكن ما يمكن أن يتأثر بأى عمل عدوانى هى محطة توليد الكهرباء، لكنى أثق أن الوسائل الدفاعية المكثفة حوله تمنع الوصول إليه.


{
ماذ كانت رؤيتك بالنسبة للسماح للأمريكان بتحديث التوربينات بمنحة مالية ومن خلال خبرائهم أليس ذلك تمكينهم من الحصول على أسرار بناء السد؟
}}
العمل فى السد من خلال أى جهة لتحديثه لا تعنى أنه يتعرض بسبب ذلك لمشاكل، لأننا لا يوجد فى العالم حاليا أسرار، كما أن تفكك الاتحاد السوفيتى جعل فى قدرة أمريكا أن تحصل على كل ما تريده من أسرار لأى مشروعات أقامها السوفيت فى الماضى، ونحن نثق فى وطنية وزير الكهرباء ورغبته الصادقة فى تجديد شباب السد العالي.


{
أين تجتمعون إذا كان ليس لكم مقرا.. وفيما تتناقشون؟
}}
الاجتماع يتم فى دار ضيافة عين شمس أو المركز الثقافى الروسى وهو التذكير بالماضى الذى كنا فيه نغرق من أجل أهم مشروع عرفته مصر فى تاريخها المعاصر.
{
لماذا تم اختيار المهندس حلمى السعيد لوزارة السد العالى قبل الافتتاح مباشرة فى حين كان صدقى سليمان يتولى كل أمور إنشاء السد؟
}}
كان تصرفا غير مبرر من الرئيس السادات وكان لا يريد لصدقى سليمان أن يعيش فرحة الانتصار الذى تحقق بإنشاء السد خاصة أنه هو الذى عانى الكثير حتى تحقق الحلم.


{
هل نجحت الدولة فى الاستفادة من السد العالى كما ينبغي؟
}}
مشروعات السد العالى كانت تتحقق بأقل معاناة وباقتصادات عالية جدا، مثلا الكهرباء والتى لا يزيد تكلفة الكيلووات فيها على ملاليم قليلة وتحدث توازناً فى الأسعار مع الكهرباء التى تولد حراريا بالإضافة إلى تحويل الرى من الحياض إلى الدائم يضاف إلى ذلك استصلاح وزراعة ملايين الأفدنة وانشئت عليه هيئة كهربة الريف خاصة أن الكهرباء كانت تمثل 90% من احتياجات مصر فى ذلك الوقت وتحركت عجلة الصناعة فى أنحاء مصر معتمدة على الطاقة الكهربائية.


{
ما التوصيف الدقيق للسد العالى كمشروع عملاق وقومي؟


}}
بالنسبة للسد العالى كمشروع قومى ربما لا نكون منصفين إذا قيمناه على حجم الأعمال فيه ولكن تقيم كمشروع قومى حقق معجزات تفوق كل التصورات حتى أنه يصنف كأحد أعظم المشروعات التى أنشئت فى القرن الماضى عالميا، فقد استخدم فى بنائه 43 مليون متر مكعب من الصخور والرمال والطين الأسوانلى بمعدل 17 مرة فى حجم الهرم الأكبر ليعتبر من أكبر السدود الركامية فى العالم، فهو سد ركامى يقفل مجرى النهر تماما، ويبلغ طوله عند القمة 3820 مترا، منها 520 مترا بين ضفتى النهر، والباقى على شكل جناحين، الأيمن بالضفة الشرقية بطول 2550 مترا والأيسر بالضفة الغربية بطول 750 مترا، وعرضه عند القاع 980 مترا، ويتدرج على هيئة هرم حتى يصل عند القمة إلى 40 مترا، أما ارتفاع السد فيبلغ 00،111 متراً فوق قاع النهر بين منسوبى ..،85 و ..،196 مترا.


ويتوسط جسم السد نواة مانعة لتسرب المياه من الطين الأسوانلى، يخترقها ثلاثة ممرات خرسانية تركب بها أجهزة لقياس حركة جسم السد وللقيام بأعمال الصيانة الدائمة.


ولما كان قاع النيل أسفل جسم السد مكوناً من طبقات رسوبية، فقد تم عمل ستارة رأسية قاطعة لمنع تسرب المياه أسفله، تمتد لمسافة 140 مترا حتى الطبقة الصخرية، هذه الستارة هى الأكبر من نوعها فى العالم، إذ يصل حجم التربية المحقونة مليون و 520 ألف متر مكعب.
ويتم نقل المياه من أمام السد إلى خلفه عن طريق قناة التحويل بطول 1950 مترا، وتتكون من قناة أمامية وأخرى خلفية يصل بينهما ستة أنفاق رئيسية بطول 283 مترا للواحد وقطر 15 مترا تم حفرها أسفل الجناح الأيمن للسد، تسمح بمرور تصرف قدره مليار متر مكعب/ اليوم.
ومداخل ومخارج الأنفاق مزودة ببوابات للصيانة وللتحكم فى التصرفات، كذلك بموانع للأعشاب.


وقبل نهايته يتفرع كل نفق إلى فرعين، مركب على كل منها توربينة «12 وحدة طراز فرانسيس» تنتج طاقة كهربائية تقدر بـ 10 مليارات كيلووات ساعة سنويا، تسهم فى توازن سعر الكهرباء فى مصر.


{
وماذا عن الجهات التى أُسند إليها بناء السد العالي؟


}}
أسهمت ثلاث جهات بصفة أساسية فى التنفيذ وهي: الهيئة العامة لبناء السد العالى، وشركة المقاولون العرب «عثمان أحمد عثمان» وشركة مصر لأعمال الأسمنت المسلح، ومع هذه الجهات تعاون الخبراء والمهندسون والفنيون السوفيت مع نظرائهم المصريين، بكل جدية وإخلاص لانجاز هذا العمل الضخم فى موعده، وفى ظل دعم غير محدود من القيادة السياسية.
ولا يمكن إغفال دور القوات المسلحة التى شاركت بمجموعة من رجالها تولوا تسيير بعض القطاعات مثل المعدات والإمداد والتموين والخدمات الطبية، أيضاً لعبت وزارة النقل دورا مهما بمد خط للسكك الحديدية إلى محجر الرمال بالشلال ثم لموقع العمل وميناء السد العالى لخدمة العاملين بالمشروع ونقل معدات ومواد الإنشاء المختلفة خاصة من ميناء الإسكندرية ومنطقة حلوان.


وكانت بعض شركات المقاولات قد قامت بتنفيذ شبكات الطرق والمرافق ومبانى الخدمات والورش والمنشآت السكنية للعاملين بالبرين الشرقى والغربي.


هذا ويرجع لوزارة الأشغال العمومية «الموارد المائية والري» بخبرائها ومهندسيها الفضل فى إرساء اللبنة الأساسية للمشروع، وتحملوا فى سبيل ذلك الكثير من الصعاب خاصة وهو فى مراحله الأولى، وقبل أن تنتقل المسئولية بعد ذلك لوزارة السد العالى التى استحدثت فى سبتمبر 1962 وعلى رأسها المهندس القدير محمد صدقى سليمان، الذى وصفه الزعيم الراحل جمال عبدالناصر بأنه الرجل الذى اقترن اسمه بأكبر إنجاز فى تاريخ مصر الحديث.
وقد تم بعد نهو المشروع تسليم جسم السد لوزارة الرى لتتولى رعايته وتشغيله، بينما سلمت محطة الكهرباء والمحولات وخطوط نقل القوى لوزارة الكهرباء.

 

 

  #1   أعطي سامى شرف مخالفة  تقرير بمشاركة سيئة  عنوان الآيبي


بعد نصف قرن على ضربة البداية..


أحمد السيد النجار



السد العالي.. أعظم الإنجازات الناصرية ومشروع البنية الأساسية الأعظم عالميا

 


تنطوى عهود الصعود والتقدم لأى أمة على إنجازات كبرى تحدد ملامح زمن الصعود وتشكل أسساً قوية للاقتصاد والمجتمع وتمثل الجدار الأخير للأمة فى أوقات التراجع والتدهور. ويعتبر السد العالى مفخرة مصر على مر العصور وأعظم إنجازات العهد الناصرى والمشروع الذى يختصر طبيعة ذلك العهد والذى تم تكريمه عالميا باختياره كأعظم مشروع بنية أساسية فى العالم فى القرن العشرين وبالتالى فى التاريخ لأن التقدم العلمى والتقنى فى ذلك القرن، سمح بإقامة مشروعات لم يكن الإنسان يحلم أو يتصور إقامتها قبله. ولسخريات القدر فإن ذلك الاختيار تم فى الولايات المتحدة التى حاولت بكل السبل إحباط مصر ومنعها من إقامة السد العالي. وقد تم الاختيار من قبل الشركات العقارية العملاقة وشركات التصميم الهندسى وشركات بناء السدود، على هامش معرض إنشائى وصناعى وتجارى عملاق فى هامبشاير الغربية فى نهاية القرن الماضى، وجاء فى حيثيات اختيار السد العالى كأعظم مشروع بنية أساسية فى العالم فى القرن العشرين، أنه عمل إنشائى وهندسى عالمى أحدث تغييرات إيجابية كبيرة فى حياة شعب بأكمله. والحقيقة أن السد العالى حول مصر من دولة خاضعة لمشيئة نهر النيل وتقلباته خلال العام وتقلباته من عام لآخر، إلى دولة متحكمة فى هذا النهر الأطول على الكرة الأرضية. ولإدراك ما كانت التقلبات العنيفة فى نهر النيل تفعله فى مصر، يكفى أن نعلم أن أدنى التقديرات لعدد سكان مصر عند نقطة الميلاد أى قبل 2010 سنة، كانت عشرة ملايين نسمة، وعندما تم إجراء أول تعداد حقيقى للسكان فى أوائل القرن التاسع عشر فى عهد محمد على كان عدد سكان مصر نحو 2.5 مليون نسمة فقط، وكان هذا الانهيار السكانى ناجما عن الظلم والقهر والجزية والضرائب المختلفة التى كان الحكام الأجانب يخضعون المصريون لها لمئات السنين بما سحق قدرة الأمة على العيش والتطور، لكن سببا أساسيا لذلك الانهيار السكانى، كان يكمن فى التأثيرات المدمرة لموجات الجفاف السباعية التى كانت تضرب منابع النيل وكانت تقضى فى الغالب على أكثر من ثلثى سكان مصر، وهى سبب رئيسى فى ظهور ثقافة وضع اليد لدى المصريين، إذ كانت قرى كثيرة تخلو من كل سكانها بالموت جوعا، وعندما يأتى الغوث بالفيضان بعد الجفاف، كان الأحياء من السكان من أية قرية أو مدينة أخرى يضعون يدهم على الأراضى التى أصبحت بلا مالك أو وريث بعد موت كل من لهم علاقة مباشرة بها. ومن يرغب فى معرفة حجم وطبيعة الأهوال التى كانت مصر تتعرض لها خلال موجات الجفاف الرهيبة، فليقرأ كتاب المقريزى "إغاثة الأمة بكشف الغمة" وهو ضمن مطبوعات مكتبة الأسرة حاليا، فضلا عن الطبعة القديمة الصادرة عن دار الهلال.


ماذا قال المقريزى عن الجفاف السباعى الذى عاصره؟


يقول المقريزي: ثم وقع الغلاء فى الدولة الأيوبية وسلطنة العادل أبى بكر بن أيوب وكان سببه توقف النيل عن الزيادة وقصوره عن العادة، فانتهت الزيادة إلى اثنى عشر ذراعا، وأصابع، فتكاثر مجيء الناس من القرى إلى القاهرة من الجوع، ودخل فصل الربيع فهب هواء أعقبه وباء وفناء، وعدم القوت حتى أكل الناس صغار بنى آدم من الجوع، وفى آخر الربيع احترق ماء النيل فى برمودة حتى صار المقياس فى بر مصر، وانحسر الماء منه إلى بر الجيزة، وتغير طعم الماء وريحه، ثم أخذ الماء فى الزيادة قليلا قليلا إلى السادس عشر من مسرى فزاد أصبعا واحدا، ثم وقف أياما، وأخذ فى زيادة قوية أكثرها ذراع إلى أن بلغ خمسة عشر ذراعا وست عشرة أصبعا، ثم انحط من يومه، فلم تنتفع به البلاد بسرعة نزوله. وكان أهل القرى قد فنوا، حتى أن القرية التى كان فيها خمسمائة نفس لم يتأخر بها سوى اثنين أو ثلاثة.
ويضيف المقريزي: واستمر النيل ثلاث سنين متوالية لم يطلع منه إلا القليل، فبلغ الإردب من القمح إلى ثمانية دنانير، وأطلق العادل للفقراء شيئا من الغلال، وقسم الفقراء على أرباب الأموال، وأخذ منهم اثنى عشر ألف نفس وجعلهم فى مناخ القصر وأفاض عليهم القوت، وكذلك فعل جميع الأمراء وأرباب السعة والثراء، وكان الواحد من أهل الفاقة إذا امتلأ بطنه بالطعام بعد طول الطوى سقط ميتا فيدفن منهم كل يوم العدة الوافرة، حتى أن العادل قام فى مدة يسيرة بمواراة نحو مائتى ألف وعشرين ألف ميت، وتعطلت الصنائع وتلاشت الأحوال، وفنيت الأقوات والنفوس حتى قيل: سنة سبع افترست أسباب الحياة، فلما أغاث الله الخلق بالنيل لم يوجد أحد يحرث أو يزرع.


وهذه المآسى المروعة التى رواها المقريزى عن المجاعة والتى اختصرنا الكثير منها تسبب فيها انخفاض إيراد النيل المتحكم فى حياة البشر فى مصر فى الماضي. أما فى ظل الزيادة الهائلة فى عدد سكان مصر فى الوقت الراهن فإن جفافا كبيرا مثل ذلك الذى حدث لمنابع النيل طوال الفترة من العام 1979 حتى العام المائى 1988 كان كفيلا بإحداث مآس مروعة تحصد أرواح مئات الآلاف وربما الملايين من المصريين وتماثل المآسى التى وقعت لبلدان منابع النيل طوال الثمانينات وبصفة خاصة إثيوبيا وأوغندا، والفضل فى ذلك يرجع إلى الزعيم الراحل جمال عبدالناصر الذى وقف بكل قواه وقاد مصر فى ظروف عصيبة فى مواجهة أعتى قوى البغى والتسلط الاستعمارى من أجل إنجاز مشروع السد العالى الذى كفل الأمن المائى والحياتى والغذائى لمصر بما اختزنه من مياه فى بحيرة ناصر، اعتمدت عليها مصر فى سنوات الجمر فمرت بردا وسلاما على مصر وشعبها إلى أن جاءت الإغاثة مع فيضان عام 1988.
سد مصر العالى بين سدود العالم


يحتل سد مصر العالى مكانة متقدمة وسط أهم السدود فى العالم، فمن ناحية سعة التخزين فى بحيرة ناصر (بحيرة السد العالي) فإنها تأتى فى المركز الأول عالميا بسعة قدرها 182.7 مليار متر مكعب عند مستوى 185 مترا. وإن كان التخزين حتى مستوى 185 مترا حالة استثنائية، فى حين أن السعة التخزينية العادية لها تبلغ نحو 164 مليار متر مكعب، وفى هذه الحالة يأتى السد العالى فى المرتبة الثانية عالميا بعد سد "براتسك" الروسى الذى تبلغ السعة التخزينية لبحيرته نحو 179 مليار متر مكعب. ومن ناحية حجم المواد المستخدمة فى بنائه، يعتبر السد العالى ثامن سد فى العالم من جميع الأنواع، حيث استخدم فى بنائه نحو 43 مليون متر مكعب من المواد المختلفة بما يزيد على 17 مرة قدر المواد المستخدمة فى بناء الهرم الأكبر. وإذا قارنا السد العالى من زاوية حجم المواد المستخدمة فيه بالسدود الركامية فقط وهو واحد منها، فإنه يأتى فى المرتبة الثانية بعد سد "نوريك" فى الاتحاد السوفيتى السابق. أما بالنسبة لقدرة المحطة الكهرومائية للسد فإنها تأتى فى المركز الثامن بقدرة تبلغ 2100 ميجاوات ويسبقها خمسة سدود فى الاتحاد السوفيتى السابق واثنان فى الدنمارك.


وقد اكتمل بناء السد العالى فى 15 يناير 1971 فى توقيت بالغ الحساسية فهو ذكرى ميلاد جمال عبدالناصر زعيم مصر والأمة العربية الذى قاد معركة بناء السد العالى وشكل انتصاره فيها إحدى العلامات البارزة فى تاريخه وتاريخ مصر السياسى والاقتصادى وتاريخ المنطقة أيضا بعد أن أدت تداعيات معركة السد العالى إلى الكثير من التغيرات فيها. كما جاء اكتمال بناء السد العالى وانتصابه شامخا يضبط نهر النيل ويحمى مصر من الفيضانات ويؤمن لها تخزين المياه لاستخدامها بانتظام على مدار العام ولاستخدام المخزون فى البحيرة فى السنوات العجاف التى يشح فيها إيراد النيل وتنشر محطته الكهرومائية النور فى ربوع مصر.. جاء ذلك الاكتمال فى وقت كانت مصر كأسد جريح يلعق جراح هزيمته فى يونيو 1967، وكانت فى أمس الحاجة اقتصاديا ومعنويا لاكتمال السد كرمز لقوة واستقلال الإرادة المصرية التى كانت تشكل الرصيد الروحى والمعنوى الهائل الذى كان يؤجج الرغبة الشعبية المصرية فى خوض حرب جديدة ضد الكيان الصهيونى لاستعادة الأراضى المصرية التى تحتلها وللثأر لشرف مصر العسكرى وكرامتها الوطنية من كل ما مسهما فى حرب يونيو 1967.. وكان اكتمال السد العالى، ذلك الهرم الهائل يمثل إضافة كبيرة لمعنويات الشعب المصرى وهو يتأهب لخوض معركته ضد العدو الصهيوني.


وكما كان اكتمال بناء السد كأعظم المشاريع التى بنتها مصر فى العصر الحديث وكأعظم مشروع للبنية الأساسية فى العالم يثير زهو مصر ويرفع الروح المعنوية لشعبها، فإن اكتماله أطلق سيلا من الجدل حوله، ذلك الجدل الذى انطلق القليل جدا منه من محاولة التقييم الموضوعى للمشروع، بينما كان أغلبه يتفجر بالحقد على مصر أو على شخصية عبدالناصر باعتباره الأب الشرعى لذلك المشروع، كنوع من تصفية الحسابات مع فترة حكم عبدالناصر حتى ولو على حساب مشروع وطنى عظيم، وهى عموما سمة رئيسية لعهد السادات.
الثأر من عبدالناصر بالهجوم على السد الذى ألجم مهاجميه


انطوى الجدل والحوار حول السد العالى بعد بنائه على مختلف أنواع المزايدات السياسية وابتذال الحوار فى كثير من الأحيان بما يتنافى مع ضرورة التناول الموضوعى للقضايا الوطنية الكبرى لتحقيق مصلحة مصر بعيدا من منطق تصفية الحسابات. هذا فضلا عن أن الحوارات الخارجية وهى فى غالبيتها الساحقة غربية، لم تخل من أغراض سياسية بل وأدير الكثير منها بطريقة مخابراتية.


ولم تمض على احتفال مصر باكتمال بناء السد العالى ومحطته الكهرومائية سوى خمسة أسابيع حتى نشرت جريدة لبنانية كانت معروفة آنذاك، فى أفضل أحوال افتراض حسن النية، بميولها الغربية وبعدائها للاشتراكية والمد القومى العربى وهى جريدة الحياة اللبنانية، مقالا فى 21/2/1971 بعنوان "التجربة الاشتراكية فى الواقع العربي. مشروع مياه.. لمياه أقل". ويذكر المقال أن "الذين يقومون بدراسة موضوع السد العالى على ضوء الحقائق والأرقام الفنية والعلمية والزراعية والهندسية والكيمائية يتوقعون أن يثير هذا الموضوع فى القريب العاجل أعظم فضيحة فنية فى التاريخ، ويتوقع الذين يتابعون هذه القضية عن كثب أن تنشأ عنها مضاعفات كبيرة على الصعيد الدولى لأنها ستكون أول مثال على أن الدول الكبرى لا تتورع فى سبيل مصالحها التوسعية وأطماعها السياسية والمالية والاقتصادية عن أن تلعب أسوأ الأدوار وأن تورط الدول الصغيرة أو الفقيرة فى أسوأ المشاريع وأكثرها كلفة وأقلها فائدة ومردودا فى سبيل ما تطمع فى تحقيقه من أغراضها التوسعية أو ما تتطلع إليه من أطماعها وأهدافها"، وقد تم توقيع هذا المقال باسم مستعار. ورغم أنه كان مجرد مقال مشبوه وغير مستند لأى أساس علمى فى جريدة مغمورة آنذاك ومعروفة بميولها الغربية وخدمتها لأهداف الغرب والقوى المضادة لعبدالناصر والفكر القومى والتقدمى، إلا أنه كان بداية حملة الهجوم على سد مصر العالي.
ومع تعرض إيراد النيل للانخفاض فى عام 1972، اضطرت مصر للسحب من مخزون بحيرة ناصر أو خزان السد العالى مما حمى مصر من التعرض لجفاف فى العام المائى 72/1973 مما خفف الهجوم على السد العالى مؤقتا حيث اضطر كل الراغبين فى الهجوم عليه إلى تأجيل ذلك إزاء الأثر الجليل للسد فى حماية مصر من الجفاف فى ذلك العام.
وفى إطار الحملة الخارجية على السد، فقد بعض المهاجمين صوابهم وبدأوا فى توجيه اتهامات للمشروع لا تخرج عن نطاق العبث. ففى بداية عام 1972، نشرت جريدة "أورور" الفرنسية خبرا زعمت فيه أن خبراء أمريكيين قالوا إن السد سينهار بعد خمس سنوات.
وإذا كانت المناقشات حول السد العالى فى عهد السادات، قد انطوت على كثير من الهجوم بلا أساس علمى ولا أسانيد، وعلى القليل من الموضوعية، قد استمرت طوال السبعينات فإنه مع بداية الثمانينات صمت الكثيرون من المهاجمين للسد عندما ضرب الجفاف الرهيب الهضبة الإثيوبية وهضبة البحيرات الاستوائية فشح الإيراد المائى للنيل واضطرت مصر للسحب من مخزون السد العالى طوال سنوات الثمانينات العجاف وحتى العام المائى 88/1989 حينما أغيثت مصر بفيضان مرتفع جعل إيراد النهر الواصل إليها عند أسوان يناهز 106 مليارات متر مكعب بعد أن كان مستوى المياه فى بحيرة ناصر قد وصل إلى مستوى 149 مترا ولم يكن باقيا سوى مترين حتى يصل منسوب البحيرة إلى مستوى 147 مترا، وهو المنسوب الذى تتوقف عنده المحطة الكهرومائية وتتعرض التوربينات للتشقق، ولم يكن باقيا من المخزون المائى الحى فى بحيرة السد العالى سوى 5.4 مليار متر مكعب.. لقد أنقذ السد مصر خلال سنوات الجفاف فى الثمانينات، فتحولت المناقشات تحت قبة البرلمان إلى تساؤلات تنطوى فى غالبيتها على الرغبة فى الاطمئنان على السد العالى وعلى مخزون بحيرته بعد أن ظلت عقول وقلوب المصريين معلقة به فى سنوات الجفاف خلال الثمانينات والذى لم يمس مصر بسوء بفضل سدها العالي.
ومن أهم ما صدر عن السد العالى ما أورده اثنان من الخبراء الأمريكيين زارا السد العالى فى نوفمبر 1971 وهما وليم هـ. وايزلى مدير جمعية المهندسين المدنيين بالولايات المتحدة، والبروفسور وليم ل. هيوز رئيس قسم الهندسة الكهربائية بجامعى أوكلاهوما، وكانا يرافقان السناتور هنرى ل. بلمون عضو الكونجرس الأمريكي. وقد كتب الأول والثانى انطباعاتهما عن زيارتهما للسد العالي.


وقد دون وليم وايزل مدير جمعية المهندسين الأمريكية انطباعاته تحت عنوان "الناس وتأثير البيئة والسد العالي" ويقول تحت هذا العنوان "إن العديد من المتحفظين والصحفيين أثاروا اعتراضا على بعض الآثار الجانبية للسد العالى ومنها:


1
ـ الشك فى امتلاء بحيرة السد العالى بسبب ارتفاع نسبة الفاقد بالبخر والتسرب. ويعلق وليم وايزلى على ذلك بقوله "يجب ملاحظة أن الغرض من بحيرة ناصر إنما هو تخزين مياه فيضانات النيل لتكون مصدرا مستمرا وثابتا لرى الأراضى الزراعية وتوليد الكهرباء وأن ملء البحيرة حتى الآن يتم كما كان متوقعا، لكن من متابعة ملء البحيرة خلال السنوات الماضية نلاحظ أن معدل الفاقد بالتبخر والتسرب لا يتجاوز الحدود المقررة له فى التصميم وأنه حتى الآن لم تظهر أى مناطق ضعيفة تتسرب منها المياه بقاع البحيرة.


2
ـ ترسيب الطمى فى البحيرة بصورة تؤثر على السعة التخزينية لها من ناحية وتحرم الأراضى الزراعية فى مصر من الطمى الذى كان يزيد من خصوبتها. ويعلق "وايزلي" على ذلك بقوله "إنه من بين الستين مليون طن من الطمى التى كانت تحملها مياه النيل كل عام كانت نسبة ما يذهب منها للبحر مع مياه الفيضان تبلغ 88% ونسبة ما يرسب منها على الأراضى 9% بينما يرسب الباقى فى قاع الترع. أى أن 5.4 مليون متر مكعب من الطمى هى التى كانت ترسب فى الأراضى الزراعية سنويا. وتقدر الخسارة من عدم ترسيب تلك الكمية من الطمى بما يعادل 13 ألف طن من سماد نترات الكالسيوم فى السنة، وتكاليف شراء هذه الكمية من السماد تقل عن تكلفة تطهير الترع من الطمى الذى كان يرسب بها قبل بناء السد. أما بالنسبة لتأثير الطمى المترسب فى بحيرة ناصر على سعتها التخزينية فإن تصميم سعة البحيرة يسمح بتخزين 30 مليار متر مكعب من الطمي. وهذه السعة تكفى لرسوب الطمى بالمعدلات المعتادة لمدة خمسمائة عام.


3
ـ تزايد النحر فى مجرى نهر النيل بعد أسوان. وتعقيبا على ذلك ذكر "وايزلي" أن المياه الخالية من الطمى خلف السد تمر بسرعة كبيرة لكن التغير الكبير فى تصريف المياه فى النيل بعد أسوان قد انعدم وفى مثل هذه الظروف من استقرار تدفق المياه يتلاشى النحر وتصبح شواطئ النهر أكثر استقرارا ويمكن الوصول إلى مزيد من التحكم فى حالة النحر بواسطة إنشاء قناطر إضافية على النيل بين القاهرة وأسوان.


4
ـ إنشاء السد العالى يؤدى لتزايد انتشار البلهارسيا والملاريا. وقد ذكر "وايزلي" أن هذين المرضين متوطنان فى البلاد الحارة عامة وأن التقدم فى الاقتصاد المصرى بما يؤدى لارتفاع مستوى المعيشة سوف يؤدى لتحسن مستوى الصحة العامة وسبل الوقاية من الأمراض.
5
ـ تزايد الملوحة فى التربة بسبب تراكم الأملاح الناتج عن تبخر المياه السطحية بمعدلات عالية فى بحيرة ناصر. وأشار "وايزلي" فى هذا الصدد إلى أن ذلك أمر يمكن تلافيه بتهيئة الوسائل اللازمة لصرف المياه من التربة وإعادة المياه الجوفية مرة أخرى للنهر، وذكر أن لدى وزارة الرى فى مصر برنامجا مستمرا لعمل شبكات لصرف المياه من الأراضى، يساهم فى تمويله صندوق النقد الدولي.


وأشار "وايزلي" فى النهاية إلى أن "السد العالى يعتبر ولا شك من عجائب الهندسة الحديثة والأهم من ذلك أنه يلبى احتياجات الشعب كما أنه يعد مشاركة رائعة بين المهن الهندسية فى كل من مصر والاتحاد السوفيتى وكذا المهندسين من بلاد أخرى شاركت فى وضع تصميمات المشروع فى مراحله الأولى وهو بذلك يضمن أحسن ما فى الفن الهندسى من إبداع وسلامة التنفيذ، ولا شك أنه لا يوجد مشروع هندسى غير السد العالى أعطى كثيرا لعدد وفير من الناس كانوا فى أشد الحاجة إلى التشجيع والمعاونة من الشعوب المتطورة فى العالم، وأنه من الأفضل للذين يقللون من شأن هذا المشروع الكبير أن ينظروا إليه من الناحية الصحيحة وبالتركيز الصحيح.


ومن ناحية أخرى كتب الدكتور وليم هيوز انطباعاته عن زيارة مصر وسدها العالى تحت عنوان "تأملات فى أسوان" وقد ورد فيها "أن صحافتنا الأمريكية كانت تجنح بصفة عامة إلى وصف مشروع السد العالى بأسوان بعبارات بها روح التعالى أو عبارات تقلل من شأنه" ثم يعدد د.هيوز المزايا الاقتصادية التى حققها مشروع السد العالى لمصر وعلى رأسها زيادة الرقعة الزراعية وتوليد الكهرباء والحماية من الفيضانات، ويؤكد أن المشاكل التى تمخضت عنه يمكن معالجتها، وهى لا تقارن بالمزايا التى حققها. ويؤكد فى النهاية "أن السد العالى فى أسوان هو بلا شك أحد العجائب الهندسية فى عصرنا الحاضر ويعود على مصر بفائدة اقتصادية هائلة.


وقد آثرت أن أستشهد بانطباعات هذين الخبيرين الأمريكيين نظرا لأنهما أمريكيان بالذات من الصعب اتهامهما بالتحيز للسد العالى لأسباب أيديولوجية وقومية، وأيضا نظرا لكونهما متخصصين وعلى مستوى علمى عال بما يعطى لآرائهما درجة عالية من المصداقية والثقة.
أما بالنسبة للسد العالى فقد تولى هو وليس أى مدافع عنه، حسم الجدل الذى دار حوله حين أنقذ مصر من ويلات الجفاف الرهيب الذى ضرب منابع النيل لتسع سنوات عجاف من عام 1979 وحتى عام 1987، وتسبب فى مجاعات جماهيرية واسعة النطاق فى إثيوبيا وأوغندا وتنزانيا فى الثمانينات. وكلما كانت الصور المرعبة للمجاعات تفزعنا، كنا ندرك جميعا أن السد العالى الذى بنته مصر وشعبها العظيم بالكفاح والعرق والدم والأموال فى عهد عبدالناصر وبمساعدة السوفيت، يستحق أكثر مما دفعناه فيه عشرات المرات. وكذلك فإن الفيضانات العالية والمدمرة التى جاء بها النيل فى عامى 1988، 1998 لم تمس مصر بأى أذى وإنما أضافت إلى رصيدها المائى الكثير من الخير بما أضافته من مياه فى البنك المركزى المصرى للمياه أى "بحيرة ناصر". وفضلا عن هذه المأثرة العظيمة للسد العالى فإن فوائده الاقتصادية العظيمة لمصر كانت كفيلة بحسم الجدل حوله لو توفر للبعض الموضوعية والنزاهة الضروريتان فى معالجة قضية كبرى مثل قضية السد العالي.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                             سد الخلود. .وجدارالفناء
فى الذكرى الخمسين لإنطلاقة شرارة البناء لسد العالى فى التاسع من يناير 1960 ذهب الناصريون بقدهم وقديدهم قادمون من مختلف البلدان العربيه ومن مختلف محافظات مصر تغمرهم مشاعر الذكرى ونشوة الفرحة : ينشدون .يغنون يهتفون .يتسامرون.يمرحون يتمازحون طوال رحلة الذهاب تأخذهم الذكرى الى ضفاف شواطئها . يعيشونها كأنها مازالت حية .يفتخرون يهذا البناء وهذا الصنيع الذى لامثيل له على مدار حياة البشر منذ خلقهم الى الأن وكيف تم البناء بإرادة التحدى وعزم الرجال وصيانة كرامة الوطن من الذل والخضوع وكيف أصبح تاج الفخار والأنتصار لكل متحدث العربية ولشعوب الأرض ليبقى هذا البناء شامخا راسخا يحكى للأجيال قصته التى ستظل حيه بقاء الدهر وتخلد بخلوده وتلازمه فقصة البناء وإرادة التحدى وأستقلال الأرادة والقرار تعادل صرع الطبيعه وقهر الصخر الصلد ونحر مجرى النهر وتهذيب عنفوانه والإمساك بتلابيبه ليقف السد شامخا فارد جنحيه محيطا بالمياة الى


إحتجزها أمامه فى بحيرة هى الأكبر فى العالم  لتنعم مصر من خيره وتأمن غول فيضانه وشحيح فيضه ونجت من موت الضرع وهلاك الزرع فى سنوات الجفاف التى آتت  على كل ماهو حى .
هذا هو عبد الناصر الذى بنى السد بأموال مصريه وعرق وجهد ابناء مصروسواعدهم الفتيه لم يبنيه بالسخرة كما حفرت قناة السويس ولم يرهن مصر او أهدر كرامتها أوفرط فى عزتها او كرامتها بل إسترد القناة لتعود الى أهلها وحضن بلدها مصر فى إباء ووفاء لم يقامر ولم يساوم اويخضع او يستسلم .الكثير الكثير كان حديث الذى يقطع الغناءوالهازيج وترديد أغانى الثوره . لم تهدأ الحناجر ولم تصمت المشاعر الجياشه ولم تكف الذكرى عن التداعى ليأخذنا الحديث عن الواقع ومرارة الحاضر ويعكر صفو الذكرى حديث الشجون والأسى والحزن :كيف تبنى مصر العروبة سدا فى جنوبها يظل غنوة للأجيال وتاريخ يسطريحكى لزمان أسطورة البناء لسد الخلود كيف كان حلما فى الخيال وأصبح واقع لامحال .يحكى قصة  التحدى والتصدى  بعزيمة وإصرار الرجال وتقيم للأسف فى شمالها جدارالمذلة والعار تبنى فى الجنوب ما يجلب لها النعيم والرخاء وتقيم فى الشمال جدارا يحمى أمن أسرائيل التى كانت تريد ألاتبنى مصر هذا الصرخ العظيم وإعتدت مع بربرية الامبريالية العالميه فى حينها بريطانيا وفرنسا لتعوق التأميم ومن ثم بناء السد ووقف قطار التنمية من التحرك لتنهض مصر وتوكب مسيرة التقدم وخاب أملهاوسعيها هى ومن معها فقد تم تأميم القناة وقف السدالعالى جنوب مصر يشهد على عصر العزة والكرامة والإرادة والصمود والتحدى ليكون هرمها الرابع أما فى عصر الهوان العربى وعصر الخضوع والإستسلام والإستجابة للأملآت الأمريكية تقيم مصر الخاضعه والمنكسرة بإرادة حكامها على حدودها الشمالية جدارا فلاذى لتزيدعلى الفلسطنين فى غزة على ماهم فيه من حصار وتجويع وتشريد ليشهد هذا الجدار إن بقى او  أزيل شاهدا على ان  مصرفى عهدها هذا كيف وصل بها الحال من التردى والمهانه والمزلة وتخون عهدها ومكانتها لتصبح أداة يستخدمها غيرها فى تحقيق مصالحها وتقيم هذاالجدار ليشهد على العصر الإنحطاط العربى من يصدق أن مصر العروبة تخدم على المصالح الإسرئلية وتلوى عنق الفلسطنيين وتضغط لتسلم حماس تحت تشديد الحصار فالجدار الفلاذى التى تقيمه مصرلتخنق به غزة وتقطع عنها سبل الحياة لتخضع حماس وتذل وتقبل ماهو معروض عليها من ذل وهوان وتفريط فى الحقوق الفلسطينية وتمسخ القضية وتفك قبضتها من على الثوابت الفلسطينية لتطمس الحقوق ويضيع الوطن الفلسطينى ويسقط  حلم الدولة ذات سيادة من النهر الى البحر أو حتى على الأرض المحتلة فى 67وبذلك يأمل النطام  الحاكم فى مصر أن يكون ادى  ماعليه لاسرائيل لينل رضها وأوف لأمريكا كل مطالبها حتى يكون إستوف كل الإملاءات الأمريكية لينال الموافقة على التمديد أو التوريث فالرضى الإسرائيلى والموافقة الأمريكية هما الشرط الحاكم لأى رئيس قادم لمصر حسب ماورد على لسان د.مصطفى الفقى فى حديثه لصحيفة مصر اليوم فى12/1/2010 وهو ماكان مدرك ومعروف وبات خبر يقين من أحد أركان النظام
لكل من تسول له نفسه لترشيح للرئاسه عليه أن يستجيب لهذا الشرط الحاكم .(آ آ آيامصر)
إنه شجن الحديث والأسى الذى لما بنا ونحن نتجاذب أطراف الحديث وسط الفرحة العارمة والشوق يأخذنا الى اسوان لنحتفل بهذا الصرح العظيم والغناءيتعالى بأغانى الثورة وهتاف الهاتفين ضد النظام الحاكم يقف القطار وقبل نلمس تراب هذه الأرض الطيب أهلها إستقبلنا بالأغانى والهازيج فتقشعرت أجسادنا وأبداننا ووقف شعرنا من هذه الحفاوة وهذا الإستقبال الغير معهود فتحيه لهم فى يوم ميلاد سد الخلود .
كان يطرعلينا سؤال ونحن تلمذه فى المرحلة الأبتائيه :ماسبب هزيمه أحمد عرابى وإحتلال مصر عام 1882؟      كانت الأجابة :الخديو توفيق والخونه من المصريين .
                                                                                                 
السيد العزونى
                                                                                         
المنصورة 13/102010
ELAZONEY @YAHOO.COM                                                                     

من بنى جدار العار قد يهدم السد العالي

 

 

محمد عبد الحكم دياب

 

مع إطلالة هذا اليوم يكون قد مر على مولد الزعيم العربي الراحل جمال عبد الناصر اثنين وتسعين عاماً، وفي التاسع من مثل هذا الشهر عام 1960 بدأ العمل في مشروع السد العالي.

وبذلك يكون قد انقضى على هذا الحدث التاريخي نصف قرن كامل. وكان مقرراً أن يبنى على ثلاث مراحل، كل منها خمس سنوات، اختزلت إلى مرحلتين مدتهما عشر سنوات، بفضل إرادة قوية وعزيمة لا تلين، واكتمل السد في 1970، وهو نفس عام رحيل الزعيم العربي الكبير والتحاقه بالرفيق الأعلى. والسد العالي يعتبر مشروع القرن العشرين عن جدارة واستحقاق. ومع ذلك غلبت عليه الطبيعة الوطنية والقومية، وقل التركيز على جوانبه الإنشائية والهندسية، فبناؤه لم يكن تحدياً عادياً بقدر ما كان ملحمة كبرى من ملاحم الاستقلال والتحرر الوطني والقومي، في مواجهة الجبروت الاستعماري والغرور الإمبريالي.

ودارت حوله وبسببه حروب متعددة، حملت أوجها سياسية واقتصادية ونفسية وعسكرية، كانت ذروتها حرب السويس 1956. كحلقة في سلسلة الحرب الممتدة منذ زرع الدولة الصهيونية على الأرض الفلسطينية، ويوم أن زف الزعيم العربي الراحل جمال عبد الناصر بشرى إتمام العمل في السد كانت مصر تخوض حرباً أخرى من أشرف وأنبل معاركهاً. هي حرب الاستنزاف لإزالة آثار نكسة 1967 وتحرير ما احتل من أرض بسببها. وترجم الإصرار على بناء السد العملاق ما كان عليه حال مصر وحال الأمة العربية. كشف عن مستوى جيل اعتاد أن يبنى بيد ويحمل السلاح باليد الأخرى. وكانت مصر وهي تشق طريقها نحو التصنيع والتنمية المستقلة، تقدم العون لحرب التحرير الجزائرية، وكانت وقت بداية العمل في السد في ذروتها وعلى أعتاب نصر كبير تحقق بعد ذلك بسنتين، وتعيش تحت رايات الجمهورية العربية المتحدة، التي جسدت أملاً عاماً طال انتظاره. وكان العراق قد ثار وخرج لتوه من حلف بغداد، وطرد القواعد البريطانية من أراضيه، وكان الجنوب اليمني يقاوم بكل ما ملك من إرادة ضد الاحتلال البريطاني في عدن، والعمل الفدائي الفلسطيني يشق طريقه، وله حضوره في دول الطوق ومنها مصر.

باختصار بدأ العمل في السد والوطن العربي يمر بحالة مد لم يكن قد مر بها من قرون. بعد أن استقل السودان وخرج منه آخر حاكم بريطاني إلى غير رجعة، وكذا كان حال المغرب وتونس، وكان الوطن قد أوشك على اكتمال استقلاله وتحرره من الاحتلال ومناطق النفوذ الأجنبي والهيمنة العسكرية والاقتصادية والتبعية السياسية. وهذا ما كان بالأمس. جيل ناهض، يعي مسؤوليته، ويفرض إرادته على أرضه. وأمة بدأت تبرأ وتشفى من كبوتها، بعد عقود الذل والعجز والانكسار. وتأتي الذكرى. فلا الجيل هو الجيل ولا الأمة هي الأمة. جيل أبتلاه القدر بحكام حرروا أنفسهم من الأعباء الوطنية والالتزامات القومية والضوابط القانونية والقيم الأخلاقية. وكثير منهم وجد مصلحته في العمل وفق ما يمليه عليهم الغرب، واستسلم لضغطه وانحاز للمشروع الصهيوني. فأفقدوا الأمة مناعتها، وأضاعوا بوصلتها، ونشروا فيها الفتن الداخلية وساعدوا على الانقسام القومي، ونقلوا إليها عاهاتهم. فعانت مثلهم من الانفصام السياسي والنفسي، وأبرز من أصيب بهذا الانفصام هم أهل الحكم في مصر. حتى أنهم أخذوا على عاتقهم اغتيال شخصيتها الوطنية وطمس هويتها العربية، وشنوا حربا لا هوادة فيها ضد مخزونها الحضاري، وميراثها الثقافي، وعمقها التاريخي، وتراثها والديني، وتمادوا في تقزيمها والدفع بها إلى حافة الانتحار. يحققون بذلك حلماً استعصى على الأعداء والغزاة على مدى قرون. نشط معهم انعزاليون وعنصريون ومرتزقة. وقد أوشكت أن تتحول إلى أطلال وأشلاء، تفسح المجال وتيسر عودة الاحتلال المباشر إليها والاستيلاء عليها لحسابه بالمجان. يساعدهم في ذلك حشد من الآكلين على كل الموائد، والمطبلين لكل العصور.

والمخضرمون والمحدثون لا يتصورون ما آل إليه حال مصر. فبلد مكافح صابر مبدع. كان مكتفياً ذاتياً، معتمداً على نفسه، معيناً لأشقائه، معترفاً بجميل أصدقائه، أضحى لا حول له ولا قوة. أفقدوه استقلاله وباعوا كرامته، لقاء ثمن بخس، يسدد على هيئة رشوة، لا تسمن ولا تغني من جوع - يطلقون عليها معونة - مقابل إقرارهم باغتصاب فلسطين، ومحاصرتهم لأبنائها المقاومين للاحتلال وملاحقة الرافضين للاستيطان. ولقاء العمل في حراسة وحماية الدولة الصهيونية، وإشعال الفتن ومحاربة الأشقاء وحصار الأهل والجيران.

وعلينا ونحن نستعيد الذكرى تأمل ما يجري من انكفاء وانعزالية واستبداد وفساد وتبعية، والبحث فيما أدى إلى تغيير الظروف وتبديل الأحوال. لنجد أن مسوغات الانتماء الجديدة، ولم نكن معروفة من قبل -تفرض على "المصري الجديد"، حسب وصف الكاتب الكبير فهمي هويدي- تفرض عليه أن يعادي العالم، وينسلخ من جلده، ويتحلل من هويته، ويدخل بيت الطاعة الصهيوني بكامل إرادته. ويقبل العمل خادماً ذليلاً في بلاط المستعمر القديم والجديد والمعولم. من يود أن يكون "مصرياً جديد" عليه التخلص من القيم الوطنية والقومية والدينية الراسخة، ويستبدلها بكل ما هو غريب وشاذ، وبقيم انعزالية استعلائية عنصرية. وتقديمها كأوراق اعتماد إلى دوائر الحكم ومؤسساته، وهذه الأوراق تمكنه من الاقتراب من العائلة الحاكمة. وعلى ذلك "المصري الجديد" أن يسبح بحمد جلاديه وأعدائه ويشكرهم ويثني عليهم أناء الليل وأطراف النهار. هنا يتحول الانفصام إلى مازوخية نفسية وسياسية، تستعذب الألم والأذى الذي يصدر عن الصهاينة. ويصل بهم الحال إلى حصار النفس والذات، زعماً بأن محاصرة "الأشقاء الأعداء" فيه حماية لأمنهم "القومي"، فعدو تل أبيب عدو لهم وصديقها صديقهم. لم نر انسحاقاً أكثر من هذا. إنه سواد له أول ولا يبدو أن له آخر.

يجسد السد العالي ملحمة نهوض لجيل ملك القدرة على التحدي، وزعيما تحمل مسؤولية المواجهة بشرف واقتدار. وكان قائداً حالماً أكد أن أحلام أمته قابلة للتحقيق. حقق لها ومعها ما حرمت منه لأجيال وقرون. وكان السد العالي أحد أحلامه، التي حولها إلى مشروع أمة تحقق واكتمل قبل رحيله، وقد كان في موعده كواحد من منجزات المد القومي العربي الكبير، وترجمة للعلاقة الوثيقة والواعية، التي تربط بين دور مصر وإرادة الأمة. ووقت أن كان دور مصر ريادياً ومتميزاً، كانت أمتها تملك إرادة جامعة وصلبة، وفرت الطاقة اللازمة لتحقيق الأحلام التي بدت مستحيلة. ولم يكن ذلك السد العملاق ليبنى خارج سياق ذلك الزمن. فقد كان جزءاً من مشروع وطني وقومي أكبر. يؤكد ويرسخ الاستقلال، ويعزز نهج التنمية الشاملة، ويأخذ بأسباب العدل الاجتماعي، ويرفع مستوى المعيشة، ويعمل على تحقيق الوحدة العربية، ويسعى للسلام القائم على العدل، ويقيم القواعد لتعاون دولي متكافئ، يحقق الأمن والرخاء للبشرية جمعاء، دون تمييز من أي نوع.

كان السد حلقة في سلسلة متصلة. بدأت بالإصلاح الزراعي بعد أسابيع قليلة من قيام ثورة 1952، ولو لم يتوار الإقطاع ما كان بناء السد ممكناً، ولولا جلاء الاحتلال ما استطاعت مصر أن تفرض إرادتها وتنتزع حقها في التنمية المستقلة، التي كان السد أحد ركائزها القوية. وقس على ذلك مقاومة الأحلاف ورفض الدخول في مناطق النفوذ، وكسر احتكار السلاح. معارك متعددة. بأوجه وأشكال متنوعة ومختلفة لمعركة وملحمة واحدة ممتدة. تجسدت في صد العدوان الثلاثي الذي جاء للمصادرة على حق مصر في السيطرة على مواردها، وكان استكمالاً لدور المصرف الدولي للإنشاء والتعمير، الذي سحب موافقته على تمويل السد، وكان يستهدف حرمان مصر من ممارسة حقها في استعادة قناة السويس، ورداً على انفتاحها على الاتحاد السوفييتي السابق والكتلة الاشتراكية، لتتمكن من مواجهة الحصار الذي فرضه الغرب عليها. وكان يهدف للحيلولة بين مصر ودخولها عصر الصناعة والإنتاج - الاستهلاكي والاستراتيجي.

ملحمة مليئة بالدروس والعبر. والدرس الأهم فيها أن انجازات مصر العملاقة تحققت بعيداً وعلى غير هوى المنظومة الصهيو غربية. التي أعملت معاولها هدماً في مصر فور أن استجاب أهل الحكم لها وقبلوا بشروطها. والمصريون ينجزون مشروعاتهم العملاقة ويحتلون مكانتهم إذا ما ارتضوا العيش في كنف أمتهم وفي حضنها. وإذا ما حافظوا على إرادتهم المستقلة يحققون التقدم في كافة المجالات. وعلمتنا ملحمة السد أن الإرادة تصنع المستحيل، وهي التي جعلت الاستقلال ممكناً، والإصلاح الزراعي وإعادة توزيع الثروة ممكناً، وإقامة المشروعات العملاقة وتنفيذ خطط التصنيع الطموحة ممكناً، وفوق كل هذا وذاك جعلت الوحدة هي الأخرى ممكنة. دون غزو أو فتح. صنعتها إرادة السوريين والمصريين، ولم تقم وحدة بإرادة الناس مثل وحدة 1958، وقد أسقطها المال النفطي الأسود، بعون ومساعدة الشركة الخماسية، وصكوك التمويل الملوثة. وكان الانفصال أول معركة تنتصر فيها الثروة على الثورة، ومهدت بذلك لنكسة 1967. وقراءة صحيحة للتاريخ تثبت أن أمة العرب تحقق ما يبدو مستحيلاً إذا ما واتتها الفرصة، ولو استمر مسارها الصاعد لكان تحرير فلسطين ممكناً. ما كان الانتصار في حرب التحرير الجزائرية ممكناً بغير التفاف الأمة ووقوفها معها، وهو النموذج الذي إذا ما تكرر يجعل تحرير فلسطين أمراً ممكناً وفي متناول اليد، وهذا هو السبب الحقيقي في انتزاع قضية فلسطين من تربتها وإبعادها عن دوائرها ومصادر قوتها الحقيقية.

ولا ننسى أنه منذ بداية انتقال مصر من الاستقلال إلى التبعية، ظهرت دعوات لهدم السد العالي، ولم يكن الإرهابي أفيغدور ليبرمان أول من دعى لهدمه. ومن يعود إلى أرشيف صحف ومطبوعات أخبار اليوم، بعد الإفراج الصحي عن مصطفى أمين وعودة أخيه علي من المنفى في أعقاب حرب 1973، استجابة لضغوط هنري كيسنجر، ويعود كذلك إلى أرشيف صحيفة الوفد منذ صدورها حتى الآن يجد أنهم كانوا أسبق من الإرهابي الصهيوني في طلب هدم السد وتدميره. ولن يرتاح بال المنتمين لذلك الحلف غير المقدس، المعادين لأي نهوض لمصر والأمة، إلا إذا هُدم السد وتم تدميره. وأمامنا جدار العار شاهد يقول أن من يقيم مثل هذا الجدار بين مصر وفلسطين لا بتورع عن هدم هذا السد العظيم وتدميره.

* كاتب من مصر يقيم في لندن

صحيفة القدس العربي

 

 

 

يرجى الاشارة الى موقع التحالف الوطني العراق عند اعادة النشر او الاقتباس

العراق باق ٍ والاحتلال إلى زوال