
حول رؤية البعض في رسائله الخاصة : حوار يتعدى النقاش مع الفرد إلى
التفاهم مع مَنْ يرى رؤيته
مفهوم الدولة
وضروراتها العراقية
باقر الصراف
الحلقة
الثانية
8 / 9 / 2010
لقد رأى الخليفة الراشدي الرابع علي بن أبي طالب في ذلك الشعار
الذي رفعه الخوارج : "كلمة حق يراد باطل" ، وأضافَ موضحاً : لابد
من وجود أمير لكي يسوس أمور الناس ويقضي حاجاتهم ،
سواء أكان هذا الأمير : "بِرٌ أو فاجر" : أي غير عادل
، وأردف ذلك القول حول طبيعة الوالي وضرورته العينية حتى "لو كان
ظالماً أو غشوماً" وهو القول مناط الاِستشهاد فيما سلف .
ومن المعلوم عند كل متبصر في التاريخ الواقعي ، غير المتخيل ذاتياً
، أن الوالي في ذلك العصر وقبل حدوث تطور مفهوم الدولة الحديث أو
المعاصر وتشابك مهامها الكثيرة والمتنوعة ، كان التعبير الأكثر
وضوحاً وصراحةً وجلاءً عن مفهوم "الدولة المتسلطة" التي نرى
تجلياتها في هذا القطر أو ذلك البلد في الزمن الحديث أو المعاصر !
، يوم كانت الحياة بسيطة وبدائية ولا تتطلب مهام كثيرة كما هو
الأمر الراهن في العصر الحالي
، [1]
.
لقد شنع علي العالم والفيلسوف باكونين وعلى أفكاره ورؤيته السياسية
: "الشيوعيون" الرسميون التابعون للرؤية السوفيتية : أي أتباع
الاِتحاد السوفييتي السابق ،
وربما كنت
أنت قد وشيَّت كتابتك السياسية المعترضة على مفهوم "الدولة
القمعية" بمقولات خارجة عن مفاهيم "الزمان والمكان"
، وذلك من خلال الاِقتباس الواعي أو غير الواعي من كتاب فلادمير
ألج : لينين حول "الدولة والثورة" المستمد مضمونه الفكري والسياسي
من التجربة الأوربية في القرن الثامن عشر والتاسع عشر التي نشأت
فيها "فكرة الدولة التوحيدية" على أنقاض الفكرة الإقطاعية
التجزيئية للوطن ، التي كان فيها لكل مساحة أرض مسؤول إقطاعي عنها
أو أمير فيها ، ويتحكم فيها كلياً : كأرض وبشر وإنتاج وتسويق ،
وتزامن ذلك مع النمو الرأسمالي ونمطه الإنتاجي الذي صار إليه
شاملاً كل العالم بتأثير تطوراته .
أما في منطقتنا العربية ، وعموم البلدان الشرقية ، فقد ساد فيها
نمط الإنتاج الأسيوي وأساسه الزراعة وشؤون ، [2]
،
وهو ما كان بحاجة إلى سلطة واحدة ومركزية في منطقة محددة على أساس
المجتمع الواحد والمنتج والمشترك باللغة الواحدة وإنْ تعددت
لهجاتها ، لذلك التي كانت الظواهر الاِجتماعية / السياسية تتشابه
والظواهر المناخية الطبيعة المؤثرة على شؤون عمل الفلاح / المنتج
الأساسي اليومي والسنوي في العصور الغابرة ، فوجدت : على ضوء هذه
الظروف وفي كل المناطق العربية وغالبية المناطق الشرقية . . . وجدت
الضرورة لاِنبثاق سلطة الحاكم المطلق والسيد المطلق والمالك المطلق
والإمام الديني المطلق ، والذي تطور عن هذه المفاهيم : شيخ العشيرة
أو رئيس القبيلة المطلق ، والأمير السياسي المطلق ،
ومن خلال
ذلك كله جاء شكل الدولة المعوَج من حيث صياغة المفاهيم العلمية
ورصد الواقع والوقائع التي أفرزت مفهوم الدولة المغاير عن مفهوم
شكل الدولة الأوربي .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] ـ لعل أزمات
الكهرباء والماء وغيابهما
عن المواطنين والشكوى من أعطالها إنْ وجدت ، وعدم توزيع الحصص
الغذائية ، أو غياب بعض السلع منها ، والقصور الواضح في مسائل
الدفاع عن الوطن ، والنقص الفادح في الحد من ظواهر الأمراض
الاِجتماعية ، كالمخدرات ، والتراجع على مستوى الخدمات الصحية ،
واِنتشار الإيدز ،
وتراجع أعمال
النظافة وجمع الأوساخ ، وغياب مراقبة نظافة الطعام والباعة الجوالة
، والتدخل عند حدوث الأمراض المعدية ، والإشراف على صلاحية الأكل
في المطاعم العامة ومدى توافقها مع الشروط الصحية ، ومراقبة
الأسعار والأوزان ، والنوعية الغذائية المعروضة للبيع في الأسواق ،
وتنفيذ القوانين وما يصدره الحكـام للفصل في طبيعة المشاكل بين
الأفراد ، ومنع التعدي بين الناس وتنفيذ "البعض الطائفي" العقوبات
بحق الطوائف والفرق الدينية الأخرى التي يؤمن بها أفراد المجتمع ،
وتنفيذ واجبات الطلاق وتحصيل حقوق المرأة المطلقة ، هذه ـ يا صديقي
ـ بعض مهام الدولة المسؤولة عن حياة الشعب ، ألم تسمع بمفهوم
الحسبة في الاِقتصاد الإسلامي ويوميات الحياة الاِجتماعية في
التجربة الإسلامية ؟ التي أفرزتها ممارسات عدة قرون في الوطن
العربي والعالم الإسلامي ،
كلها من الواجبات
المناط شؤون خدمتها وتقديمها للمواطنين هو من مهام الدولة ، أية
دولة ، وأتساءل : هل تريد أنْ تسود الفوضى ، ويحكم بين الناس قانون
شريعة الغاب ، وبالتالي يصبح مَنْ يملك القوة العضلية والجبروت
الناجم عن ولاء أو تحالف الكثرة هو الـ"سي سيد" في المجتمع والسائد
بين الجموع المغلوبة على أمرها ؟ ! .
لعل ما كتبه
أحد المواطنين عن القصور الصحي في العراق هو نموذج على غياب مهام
الدولة ، إذ نورد التالي ـ على سبيل
المثال فقط ـ حيث إنَّ المواطن العراقي
السيد صباح علي الشاهر يكتب عن شجون وشؤون الجانب الصحي بما يلي :
"نعرف جميعاً الحال
المزرية التي وصل لها القطاع الصحي في العراق، ونعرف درجة التدمير
الذي تعرض له أثناء الحصار والحرب والاِحتلال، لكننا نعرف أيضاً أن
الإفساد والفساد أكمل عملية التدمير، وفي العمق هذه المرة .
وحديث الفساد في المجال الصحي يصيب المتتبع له بالصدمة ، فهو لا
يتعلق فقط بعمليات الرشى والعمولات في اِستيراد الأدوية غير
الصالحة والمنتهية الصلاحية، ولا في تسريب أدوية المستشفيات إلى
الصيدليات الخاصة أو بيعها على الأرصفة، ولا إعلان مشاريع وهمية
وقبض أثمانها، ولا المتاجرة بالأعضاء البشرية، ولا حرق المخازن قصد
إخفاء السرقات، مثلما حدث في حرق المخازن الإستراتيجية في حي
العدل، والتي تقدر قيمتها بأكثر من مائة مليون دولار، ولا في تعيين
من لا يحمل الشهادات اللازمة، ولا في اِستشراء ظاهرة الشهادات
المزورة في مجال التزوير فيه يؤدي إلى هلاك الناس، ولا في سوء
معاملة المراجعين والمرضى التي تصل حد الجرائم التي يعاقب عليها
القانون، ولا في شيوع الرشوة اِبتداءً من الفراش وصولاً إلى أعلى
مستوى في المؤسسة ، ليس في هذا كله ، لقد تعرض العراق أثناء الحصار
والحرب، ومن ثم الاِحتلال إلى نمط من الإبادة الشاملة المستمرة،
متعددة الأشكال، ليس فقط عن طريق القتل العشوائي والمقصود، وإنما
عن طرائق أخرى، لا تقل بشاعة وهمجية عن غيره، ومنها الموت
اِضطراراً وعجزاً لاِنعدام الرعاية الصحية، ولو بحدودها الدنيا. لم
يسأل أحد عن عدد الذين ماتوا جراء اِنعدام الرعاية الصحية أو
سوئها. يكفي أن نعرف أن معدل وفيات الأطفال في العراق الآن بمستوى
معدله في جنوب الصحراء الأفريقية ، حيث لا مستشفيات ولا دواء، وأن
عدد الذين يغادرون هذه الدنيا ليس بسبب اِنعدام الدواء ، وإنما
بسبب تناولهم لأدوية وأطعمة فاسدة، ومياه ملوثة، أو بسبب سوء
العلاج والخدمة الطبية ، يفوق عدد أولئك الذين يقتلون جراء
العلميات الإرهابية .
تقول إحصائية لمنظمة
(ميدلكت) العالمية، أن نحو 75 بالمائة من الكوادر العاملة في
المجال الطبي والصيدلي قد تركوا وظائفهم منذ الاِحتلال ، ولم يكن
تسرب هذا العدد الهائل ، الذي لا يمكن تعويضه حتى بعد عشرات
السنوات نتيجة لرغبة هذه الأعداد بالهجرة، والبحث عن فرص عمل أفضل،
وإنما بسب تعرض الأطباء والصيادلة والعاملين في الحقل الصحي إلى
عملية إبادة منظمة، واِستهداف مخطط له بشكل دقيق، مما دفعهم إلى
مغادرة البلد وبهذه الإعداد التي شكلت كارثة وطنية بكل معنى الكلمة
، من هذا الذي يستهدف الأطباء، ولأي غرض ؟
أليس الأمن الصحي ركيزة من ركائز الأمن ، شأنه شأن الأمن الغذائي ؟
وإذ نجحت المؤامرة في إفراغ البلد من ثلاثة أرباع كادره الطبي
والصحي ، فكيف يمكن لنا على الأقل الحفاظ على ما تبقى منه ؟ نستطيع
أن نبني عشرات المؤسسات الطبية على أحدث المواصفات، ونستطيع أن
نستورد أحدث تكنولوجيا الطب الحديث، لكننا لن نستطيع بهذا إعادة
الثقة المفقودة بين المواطن وهذه المؤسسات، إذا لم نبني علاقة سوية
وصحية بين الكادر الطبي والمواطن، ومثل هذه العلاقة لن تحدث
لوحدها، دونما تخطيط علمي وعمل ملموس" .
أليس
أحد مهام الدولة العراقية كانت هذه بالذات التي تطورت منذ العام
1921 لبنة إثر لبنة وخطوة بعد أخرى ؟ ! ، فهل يرضي ذلك أي "مفكر"
ومدرك يتقد أنه مخلص للعراق ؟ أم يا ترى يستجيب موضوعياً لمن أعلن
بأنه سيجعل العراقيين مضطرون للذهاب إلى إيران لزرق الإبرة ، كما
جاء في الأنباء ؟ ..
[2] ـ وبهذا الصدد يمكن الاِستئناس بأفكار العالِم المصري
الكبير والمرجع التاريخي العظيم في اِختصاصه الذي تدبر في الواقع
الاِجتماعي الملموس ، المرحوم الدكتور جمال حمدان وبالتالي إجترح
نظرياته المبهرة ، والذي رأى
بعد قراءة متمعنة للواقع المصري الذي يمكن سحبه على تاريخ الشرق .
. . رأى التالي
:
1 ـ [حقاً إنَّ الزراعة المصرية عرضة لذبذبات المناخ ، وفلاحها
من ثم تحت رحمة الطبيعة ، لكنك لست بحاجة ـ ولن تستطيع إنْ أردت ،
وهذا هو المهم ت أنْ تخطط المطر . من هنا فقد تكون الطبيعة سيدة
الفلاح ، ولكن الفلاح بعد ذلك سيد نفسه . وهذا في نفس الوقت يمنح
الفلاح فرصة للفردية بدرجة أو أخرى .
أما في بيئة الري فالأمر مختلف كل الاِختلاف . فالوادي في فجر
التاريخ ليس مصرفاً طبيعياً ولكنه مستنقع إسفنجي مداري مشبع ، ولا
زراعة ولا تعمير إلا بعد التصريف و"التقييل" . لا بد ـ يعني ـ من
مجهود بشري جماعي ضخم حتى تعد الأرض مجرد إعداد لاِستقبال البذر .
وبعد هذا فلا بذر حتى توصل المياه إلى الحقول ، أي لابد من شبكة
غطائية كثيفة من الترع من كل مقياس اِبتداءً من قنوات الحمل وقنوات
التغذية إلى مساقي الحقول . حتى تزرع إذن لابد لك أولا من أنْ تعيد
خلق الطبيعة . ثم ما جدوى تلك الشبكة إذا لم تسيطر على أعناقها
ورؤوسها بالنواظم والقناطر والسدود ؟ أعني أي جدوى فيها بغير "ضبط
النهر" ؟] .
2 ـ [وأكثر من هذا ، ما جدوى الجميع بغير "ضبط الناس" ؟ إنَّ
زراعة الري إذا تـُركت بلا ضابط يمكن أنْ تضع مصالح الناس المائية
في مواجهة بعضها البعض مواجهة متعارضة دموية . ذلك أنَّ مَنْ يقيم
على أعلى الماء يستطيع أنْ يسيء اِستعماله إما بالإسراف أو بحبسه
تماماً عمن يقف أسفله . أي أنَّ كل حوض علوي يستطيع أنْ يتحكم في
حياة ـ أو موت ـ كل حوض سفلي . المصلحة إذن واضحة : بغير ضبط النهر
يتحول النيل النبيل إلى شلال حطيم جارف ، وبغير ضبط الناس يتحول
توزيع الماء إلى عملية دموية ، ويسيطر على الحقول قانون الغاب
والأدغال . ولو تركت البيئة المصرية غاباً اِجتماعية لما تطورت عن
الغاب الطبيعي الذي بدأ منه" .
3 ـ "في ظل هذا الإطار الطبيعي يصبح التنظيم الاِجتماعي شرطاً
أساسياً للحياة ، ويتحتم على الجميع أنْ يتنازل طواعية عن كثير من
حريته ليخضع لسلطة أعلى ، الموزع العدل والماء بين الجميع ، سلطة
عامة أقوى بكثير مما يمكن أنْ تتطلبه بيئة لا تعتمد على نهر فيضي
في حياتها ومصيرها . وبذلك لا تكون الطبيعة وحدها سيدة الفلاح ،
وإنما بين الاِثنين يضيف الري سيداً آخر هو الحاكم . هنا يصبح
الحكم والحاكم وسيطاً بين الإنسان والبيئة أو وصياً على العلاقة
بينهما ، وهمزة الوصل بين الفلاح والنهر . وبتعبير آخر فإنَّ
الحكومة ـ فكرة وجهازاً ـ هي بالضرورة أداة التكامل الأيكولوجي بين
البيئة والإنسان . إنها تبدأ نتيجة وضرورة جغرافية ، لتنتهي عاملاً
جغرافياً بكل معنى الكلمة .
ومن تلك العناصر جميعها يتألف في النهاية المجتمع الهيدرولوجي
النموذجي . الذي تنسج خيوطه من ثلاثة : الماء ، والفلاح ، والحكومة
، والأخيرة طرف في المعادلة لا يقل أصالة وضرورة وحتمية عن الطرفين
الآخرين . بل إننا يمكننا أن نذهب إلى حد القول بأنَّ وظيفة الحاكم
والحكم في المجتمع الهيرولوجي على وجه التحديد هي وظيفة وزارة
الأشغال والري أكثر منها وزارة الزراعة بعامة" ، عن كتاب الدكتور
أنور عبد الملك ، المعنون الوطنية هي الحل ، إصدار مكتبة الشروق
الدولية ، الطبعة الأولى 1427 هـ ـ 2007 م ، ص 520 ـ 521 .
يتبع
|
يرجى الاشارة الى موقع التحالف الوطني العراق عند اعادة
النشر او الاقتباس
العراق باق ٍ
والاحتلال إلى زوال

|